ملخص خطبة الجمعة: صلاح الفرد بصلاح قلبه

2 ابريل 2010 بمسجد السيدة عائشة بفريج كليب

أيها الاخوة المؤمنون ان صلاح الامة لن يتحقق الا بصلاح المجتمع وأن صلاح المجتمع كذلك لا يمكن تحقيقه الا من خلال صلاح الاسرة وأما صلاح الاسرة فانما يتحقق بصلاح الفرد غير أن اهم شيئ في عملية الصلاح والاصلاح لهذا الفرد الذي تتكون منه الاسرة فالمجتمع فالامة هو قلب هذا الفرد ومن هنا نكمل السلسلة بأن صلاح الفرد لا يتحقق الا بصلاح قلبه وما بداخله كما عبر عن ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال في الحديث الصحيح " الا إن في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب" وقد عبر القرآن الكريم أكثر من ذلك جينما حصر النجاة والفوز في الدنيا والآخرة في سلامة القلب، و أن هؤلاء لن يفلحوا ولن يفوزوا إلا إذا كانت لديهم قلوب سليمة << يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم>> صدق الله العظيم، لم يتطرق القرآن الكريم بهذا الاسلوب القائم على الحصر العقلي ، لم يتطرق القرآن الكريم الى الاعمال الصالحات والى ما يفعله الانسان في هذه الدنيا من الخيرات والحسنات لماذا؟ لأن مصدر كل الحسنات هو القلب فالقلب هو المفجر لهذه الطاقات وهو المحرك لهذه الأعمال كما أن مصدر الشرور والمنكرات يعود أيضا الى هذا القلب كما يقول ابن القيم رحمه الله " لن يصدر من الانسان فعل الا من خلال التفكير والارادة" والتفكير والارادة محلهما القلب فالقلب هو الذي يريد وهو الذي يحرك الأعضاء وهو الذي يهيئ الأعضاء لأي عمل كان سواء كان صالحا أو منكرا وبدون هذه الارادة الداخلية أو هذا التفكير لن يكون هناك عمل مختار والله سبحانه وتعالى لن يحاسبنا أو يجزينا الا على عمل مختار فإذا فعلت دون موافقة القلب سهوا أو غفلة فإنك معفو عنك بنص الحديث النبوي الشريف " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه" اذا مصدر كل الاعمال التي يعاقب عليها الانسان أو يجازى هو القلب فإذا اصلح صلحت الاعضاء وصلح الجسد وصلح البدن و صلح الفرد عموما ومن ثم صلحت الاسرة واذا صلحت الاسرة فقد صلح المجتمع واذا صلح المجتمع فقد صلحت الامة. إذا هنا قد عرفنا سر حصر القرآن الكريم أن الانسان الذي يأتي فائزا هو الذي لديه القلب السليم وليس هناك شخص آخر وليس هناك عمل آخر يسبق هذا العمل مهما كانت أعمالك صالحة حتى لو استشهدت في سبيل الله واذا لم يكن قلبك سليما وعملك خالصا لله فإنه يؤتى بك يوم القيامة وتحاسب فتقول أنا جاهدت واستشهدت في سبيل الله فيقول رب العزة كذبت بل استشهدت ليفال كذا وكذا ثم يطرح بك في النار وليعاذ بالله وهكذا جميع الاعمال الصلوات والزكوات والحج والصيام بل حتى العقيدة الصحيحة فهي تابعة لهذا القلب لهذا الداخل الذي نحن أهملناه كثيرا كما أصبحنا نحن اليوم نتعامل بالمظاهر والظواهر ونترك الباطن والجوهر فكذلك الأمر مع أنفسنا قد تجد الشخص مصرا على حضور الجمعة والجمعات وهذا أمر طيب ولكن هذا الحرص والاصرار على هذه الاعمال لن ينفع صاحبه اذا لم يكن قلبه سليما إذا لم يكن قلبك مخلصا لله سبحانه وتعالى إذا لم يكن قلبك صافيا مع الآخرين إذا لم يكن قلبك يدعو الى المحبة مع الآخرين فأنت قد حرصت عل الصلاة جماعة مع عامة المسلمين وجلست الى جانبهم ولكنك تكرمهم أو تحتقرهم أو أنك تذكرهم بالغيبة أو .. فما قيمة هذا الحرص والاصرار على الجماعة فنقول ليس لهذا الاصرار قيمة وهذا لا يعني أيها الاخوة الاحبة أننا نترك الجمعة والجماعات وانما علينا أن نصلح هذه القلوب حتى تقبل جمعتنا وجماعاتنا وخيراتنا كلها فأنت عليك أن تشتغل ليل نهار وبكل فكرك وجهدك لاصلاح قلبك والعمل بهذه الآية الكريمة << يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم>> في هذا اليوم العصيب لن تنفعك الاعمال الصالحات فقط وإنما ينفعك أن يكون قلبك سليما مع الاعمال الصالحة فإذا انفك أحد هذين الطرفين عن الآخر فلا قيمة لأحدهما فإذا انعدمت الاعمال الصالحات فلا معنى بأن يكون قلبك سليم فالعمل الصالح من نتائج القلوب السليمة أما إذا كانت اعمالك صالحة ولكن قلبك غير سليم فلا معنى لهذه الاعمال الصالحة وداخلك وباطنك غير سليم. أمران متلازمان لا يمكن الفصل بينهما فهذا هو المؤمن صاحب القلب السليم وصاحب الاعمال الصالحات وسلامة القلوب ايها الاخوة الاحبة ليس المقصود بها سلامة العقيدة فقط رغم أهميتها وإنما القلب السليم يكون مع الله ومع عباد الله ومع كل مخلوقات الله سبحانه وتعالى فقلبك سليم حينما تكون عقيدتك سليمة وفكرك سليما وتصورك سليما هذا هو الجانب الاول والجانب الثاني هو أن يكون هذا القلب سليما مع الناس ومع اخوانك المؤمنين مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" فهل تحس بالله عليك أخي الكريم بفقر أخيك كما تحس بفقر نفسك أو بذل أخيك كما تحس بذل نفسك؟ " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحبه لنفسه" كما قال صلى الله عليه وسلم فهل نحن في هذا المستوى ؟ وهذا هو السؤال الذي حقيقة يخوفنا والاجابة عليه ليست سهلة إلا على من رحم الله.

كل هذه المشاكل التي تحدث بيننا بين الجيران في المجتمعات بين القبائل بين الدول والامم كلها يعود الى حظوظ نفس الانسان أريد أن أكون أفضل منك أو أريد أن أتقدم واقفز على حسابك أو أريد أن أضر بك فلذلك أقول بكل صدق إن هذا الجواب من أصعب الأسئلة هل تحب لأخيك ما تحبه لنفسك؟ وإنني أقول من خلال الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة أنه من لم يكن قد اعد جوابه بنعم فسيكون مصيره لا قدر الله في غاية من الخطورة لأنه قد تكون عقيدتك صحيحة وتصورك سليما لكن قلبك ليس سليما مع اخوانك المؤمنين وهنا تختل المعادلة ويختل الميزان وبذلك لم يكن قلبك سليما في مجمله ومن ثم تحرم من الجائزة والبشارة التي بينها الله سبحانه وتعالى .

وليس هناك أفضل ايها الاخوة الاحبة من هذا القلب السليم مع الله سبحانه وتعالى ومع عباده بل مع مخلوقاته كافة بالرحمة والشفقة ولذلك كانت الغاية من ارسال هذا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم فهو الرحمة ليس للمؤمنين وحدهم بل رحمة للعالمين كافة << وما أرسلناك الا رحمة للعالمين>> صدق الله العظيم

أيها الاخوة الاحبة سلامة القلب هي الاساس لتنطلق منها كافة الاعمال الصالحة والتي لا تقبل بدون هذه السلامة يروي لنا سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص في حديث صحيح يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان جالسا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فرفع صلى الله عليه وسلم رأسه وقطع كلامه وقال يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة فالتفتوا فدخل رجل لا يعرف لانه لم يكن من اهل المدينة فجلس بأدب وخشوع يستمع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج بعد انتهاء الرسول من حديثه ثم عاد الى قريته ثم كان يوما آخر والنبي يخطب في الصحابة فقطع حديثه ورفع صوته وقال يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة فالتفت الصحابة فإذا به نفس الشخص الذي قال عنه في المرة السابقة ثم تكررت هذه الحادثة مرة ثالثة وكان نفس الشخص يدخل المسجد فحينئذ ولمعرفة ماالذي جعل هذا الرجل يكون من أهل الجنة طلب عبد الله بن عمرو بن العاص من هذا الاعرابي أن يقبله ضيفا فقال الاعراب نعم مرحبا بك عندي فصحبه واطلع عليه وما يعمل فلم يجده كثير قيام بل يستيقظ قبيل صلاة الفجر بقليل ليصليها جماعة في المسجد ولا كثير صيام ويعمل بجد واجتهاد في حقله فتعجب عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله فقال له القصة وبشارته بالجنة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم فما الذي جعلك تظفر بهذه المكانة وأنت مسلم عادي فقال الرجل أني عندما أخلد الى النوم أدعو الله أن لا يؤذي بسببي أحدا من خلقه وأطلب أن يطهر قلبي من كل الامراض من بغض وكره وحسد كما أدعوه في المقابل أنني برأت ذمة كل من آذاني. هذه وصيتي فيكم ولنفسي أولا أيها الاخوة الأحبة أن نبذل كل جهدنا في اصلاح قلوبنا ودواخلنا لتصبح قلوبنا سليمة مع الله ومع عباده

 

الخطبة الثانية

أيها الاخوة الاحبة حتى الدنيا اضافة الى آخرتنا هي الاخرى مرتبطة بهذا القلب السليم بترك حظوظ النفس فإذا درسنا مشاكلنا في أسرنا ومجتمعاتنا فإننا سنجد أن 90% منها تعود الى عدم سلامة القلوب الى حظوظ النفس الى التكبر والتجبر وكلها تنطلق من قلوب مريضة وليست من قلوب سليمة فالله سبحانه وتعالى قد ذكر القلوب ومشتقاتها في القرآن الكريم 232 مرة وهذا دليل على أهمية هذه المسألة.

ومن المجتمع نمر الى الأمة ومشاكلها وارتباطها بسلامة البواطن من عدمها فللأسف الشديد الحالة التي عليها الامة تبين أن القلوب ليست سليمة  في أغلبها وأساسا في فئتين هما الامراء والعلماء اللذين هما قوام الاضلاح واولو الامر وإلا لماذا حال الامة كما هو اليوم تشتت عجز تفرق وما قمة سرت منا ببعيد فماذا قدمت هذه القمة للقدس التي تكاد تضيع منا فبالرغم من الكلمات الطيبة والجدية التي ألقاها سمو أمير البلاد حفظه الله ورئيس الوزراء التركي والتي وللأسف الشديد لم تجد طريقها للبيان الختامي ولا لقرارات القمة وهذا دليل أن الوضع لا يزال مترديا ومريضا وغير سليم.

شارك هذه المادة