الخشوع من أولى صفات أهل الفردوس

ملخص خطبة الجمعة 23مايو 2010 لفضيلة الشيخ علي القره داغي بمسجد السيدة عائشة بفريج كليب

أيها الاخوة المؤمنون إذا تدبرنا القرآن الكريم وعشنا مه آياته العظيمة وأساليبه الفريدة لوجدنا القرآن الكريم يغير الأساليب بين حين وآخر ومن عمل الى عمل ومن مرتبة الى مرتبة أخرى بحيث يبين القرآن الكريم باسلوب مختلف حينما يتحدث عن هؤلاء الناجين من النار ولكنه عندما يتحدث عن الذين يرثون الفردوس يغير الاسلوب ويرتقي بهذه الصفات التي تستوجب بفضل الله سبحانه وتعالى تلك الدرجات العلى فحينما يتحدث القرآن الكريم عن هؤلاء المتقين الذين يدخلون الجنة ويكونون في ظلال وعيون ويستحقون الفردوس الأعلى يصفهم الله سبحانه وتعالى بأوصاف عالية وصفات راقية انظر في سورة الذاريات حينما يتحدث عن هؤلاء المتقين<< إن المتقين في جنات وعيون آخذين مآتاهم>> ثم يتحدث عن صفاتهم فيقول<< إنهم كانوا قبل ذلك محسنين>> كانوا محسنين في كل أعمالهم وتصرفاتهم وعباداتهم وكاموا محسنين في تعاملهم مع الآخرين.

ويبن كذلك القرآن << كانوا قليلا من الليل ما يهجعون >> أي يقيمون الليل متهجدين متضرعين مصلين وباكين لا يتركون لراحتهم ونومهم الا قليلا من الليل وعندما يقترب الفجر والسحر يبدأون في الاستغفار << وبالأسحار هم يستغفرون>> وذلك لشدة خوفهم من أن صلاتهم وقيامهم قد لا تتوافر فيها شروط الاخلاص لم تتوافر فيها شروط الخشوع لله سبحانه وتعالى.

وحينما يعطون أموالهم يقول فيهم القرآن << وفي أموالهم حق للسائل والمحروم>> في حين عندما يصف الناجين من النار فيقول << والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم>> في حين هؤلاء الذين قليلا من اللين ما يهجعون فلم يحدد المعلوم أي الزكاة فهم يعطون الزكاة وأكثر منها وحق الله في ماله أكبر من أن يكون محصورا في الزكاة ففيه حق عام قد يصل الى النصف كما كان عمر رضي الله عنه يعطي نصف ماله للصدقات وقد يصل الى الكل كما كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه.

أيها الاخوة الأحبة والذي نفسي بيده لو تدبر الانسان في هذه الآيات لبكى كثيرا ولصغر الانسان أمام نفسه وأمام هذه الآيات الكريمة كثيرا يصغر الانسان ويحس بالصغار أمام هؤلاء الذين يرثون الفردوس الاعلى.

وهكذا أيها الاخوة المؤمنون يتحدث القرآن في سورة المؤمنون وبالذات في بدايتها وهي متمثلة في إحدى عشر آية تتحدث عن مواصفات بالتفصيل للذين يرثون الفردوس والناس كما تعلمون يوم القيامة ينقسمون الى قسمين فريق في الجنة وفريق في النار ولكن فريق الجنة كذلك يقسمون الى أصحاب اليمين الذين يدخلون الجنة والى السابقين << والسايقون السابقون أولائك المقربون>> الذين تكون لهم الدرجات العلى وبين هؤلاء وهؤلاء تكون هناك عدة درجات فمنهم من يحشر مع الانبياء ومنهم من يحشر مع الرسول الكريم الذي هو في قمة الفردوس ثم بعد ذلك تأتي الدرجات الثمانية وكل درجة أو كل باب خاص بفئة معينة حسب أعمالهم ورحمة الله وفضله ومنه وكرمه فهنا في هذه السورة سورة المؤمنون فهي تتحدث عن القمم << الذين يرثون الفردوس وهم فيها خالدون>> وحينما تتحدث هذه السورة عن هؤلاء القمم لابد أن تكون صفاتهم كذلك في القمم ولذلك لم يقل الله في هذه السورة قد أفلح المؤمنون الذين هم يصلون فالصلاة تنجيك فقط ان كانت مقبولة وأداء الزكاة ينجيك فقط من العذاب ولكن إذا أردت هذه الصفات العلى فتاتي هذه الصفات العلى في وصفك وسنحاول أن نتحدث عن صفة أو صفتين من هذه الصفات العلى ونأخر بقية الصفات الى خطبة أخرى ان شاء الله تعالى.

يتحدث القرآن الكريم عن هؤلاء << أولائك الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون>> وراثة وخلود وأول صفاتهم بعد الإيمان هي الخشوع وكما لا يخف عليكم هناك ثلاث مراتب في الصلاة الأول آداء الصلوات ثم الحفاظ على الصلوات في أوقاتها الدرجة الثالثة إقامة الصلوات أي أدائها في جماعة بالإضافة الى أمر أساسي أنه في صلاته خاشع خشوع تام وخشوع مستمر ولما تحدثت السورة عن الصفة الثانية في القمم فلم يقل الذين لا يقولون الفواحش وإنما << زالذيم هم عن اللغو معرضون>> هؤلاء يعرضون فهم لا يريدون أن يسمعوا اللغو واللغو ليس منكر القول وانما هو كل ما زاد عن الحديث الأصلي أي الكلام الذي لا فائدة منه يقول الرسول الكريم "" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ""

أما في الزكاة بالنسبة للمؤمن العادي هو الأداء ولكن بالنسبة لأصحاب القمم فإن الأمر أكثر من ذلك فهم يشتغلون ليس من أجل الشبع وليس من اجل الاكل والشرب وإن كان من حقهم هذا وضروري لحياتهم وانما يعملون من أجل ادخال السرور على المؤمنين من خلال ايصال الزكاة اليهم << والذين هم للزكاة فاعلون>>.

واليوم أعود الى الصفة الأولى الأساسية والتي وللأسف الشديد نفتقدها في كثير منا ألا وهو الخشوع<< قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون>> فالإيمان وحده قد ينجيك من النار ولكنه لا يجعلك من المفلحين أصحاب الدرجات العلى والإيمان الذي يستحق الفردوس الأعلى هو الإيمان الذي يؤدي الى هذه المواصفات وقد عبر القرآن الكريم بكلمة "الذين" وهو ما يسمى باسم الموصول واسم الموصول في اللغة العربية تدل على المعهود على المعروف أي أن هؤلاء من كثرة خشوعهم أصبحوا معروفين ومعهود عليهم بالخشوع فحين تراهم ترى الخشوع فيهم وعلى وجوههم وبهذا أصبح هذا الأمر طابعا لهم وليس في صلاة واحدة أو صلاتين وإنما في جميع صلواتهم ثم بعد ذلك أيها الاخوة الأحبة كان بامكان القرآن أن يقول قد أفلح المؤمنون الذين يخشعون في صلاتهم وهنا تصبح الجملة فعلية وحينما ىتكون الجملة فعلية فهي تدل على الحدوث والتغير أما الجملة الاسمية فهي تدل على الثبات والاستقرار فإذا هذا الخشوع ثابت فيهم وليس تكلفا بل أصبح جزء من ملكته السليمة جزء من كيانه حيث لا يستطيع أن يصلي إلا وهو خاشع.

والخشوع أيها الاخوة الأحبة لم يقل خاشعون بقلوبهم ولم يقل خاشعون بأجسادهم وهذا دليل على العموم فحينما يحذف المفعول من الفعل الذي يقتضي أن يكون له مفعول فهو دليل على العموم أي خاشعون في كل شيئ خشوع في القلب خشوع في الفكر خشوع في الجوارح ومع الأسف الشديد لا تأتي لهم الأفكار إلا عندما يصلون

ومن هنا أيها الاخوة الأحبة جعل الله أول صفة للقمم هي الخشوع في الصلاة وهي بمثابة امتحان هل أنه بالفعل قلبك لله أم لا على الاقل أثناء أدائك للصلاة والتي كل الصلوات الخمس في اليوم لا تتجاوز ربع الساعة مجتمعة.

شارك هذه المادة