الأمة لا تنجح ولا تزدهر الا من خلال رعاية العهود والأمانات ... لانخاف من الثورات المضادة ولكن نخاف من سرقتها... لابد أن نكون واعين ويقظين بمساعدة الغرب للثورات

بسم الله الرحمن الرحيم


ملخص خطبة الجمعة 15 ابريل 2011 لفضيلة الشيخ علي محيي الدين القره داغي بمسجد السيدة عائشة بفريج كليب


ايها الأخوة المؤمنون

ان جميع الامور والاصلاح وما يتعلق بالانسان فردا أو جماعة أو أمة يرتبط نجاحها وقوتها وازدهارها بوجود أمر مهم في غاية من الأهمية ذلك الأمر هو الحفاظ على الأمانات التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها بأوامر جازمة ونهانا عن مخالفتها ونقضها بنواهٍ شديدة يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وفي أكثر من آية مبينا وموضحا أهمية الأمانة بل انه يربط بين الانسانية وبين حمل الأمانة  بين العقل والتكليف بين العقل وحمل الأمانة  فقال تعالى"إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولاً ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفراً رحيماً" الأحزاب 72،73.

ويقول الله سبحانه وتعالى  مبينا أهمية هذه الأمانات " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون"  ويبين الله سبحانه وتعالى أهمية هذه الأمانة في آيات كثيرة موضحا بأن النجاة من النار والنجاة أيضا في الدنيا من القلق والأضطراب والمشاكل تكمن في مراعاة العهد والأمانة ففي سورة  المعارج تتحدث القرآن الكريم عن شروط الناجين من النار وعن شروط خروج الانسان من حالات الاضطراب والمشاكل فيبين أحد اهم هذه الشروط  "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" ثم يرتقي الله سبحانه وتعالى بالانسان فبين بأن مراعاة العهد والأمانة ليست مجرد سبب للخروج من النار ومن الأضطرابات والمشاكل  الدنيوية وانما كذلك تعتبر سببا للدخول في الفردوس الأعلى.

اذا هذه هي منزلة الامانة في الاسلام وفي الكتاب الكريم أما السنة الشريفة فيجعل المخالفة للأمانات وانتقاضها وعم رعايتها سببا من اسباب النفاق بل خصلة من خصالها " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النفاق حتي يدعها " اذا حدث كذب واذا عاهد غدر واذا اؤتمن خان واذا خاصم فجر" .

هكذا الاحاديث الشريفة ايها الأخوة الأحبة وهكذا الايات الكريمة تعطي لنا هذه القيمة العظيمة  للحفاظ على الأمانات والعهود بل ان الله ربط بين انسانية الانسان وعقله وما أودعه الله فيه من صفات عظيمة وبين حمل الامانة فهذه الامانة لم تستطع السموات والارض والجبال أن تحملها لأنها غير مكلفة  لأنها لم يعطها الله من الصفات الموجودة في الانسان من العقل والارادة والحرية وغير ذلك من الصفات التي نفخها الله  في هذا الانسان من روحه "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي  فقعوا له ساجدين"  هذه الصفات كلها كانت نفخة ربانية اعطاها الله سبحانه وتعالى لهذا الانسان فكرمه بها ورفع منولته بها وفي مقابل ذلك حمله الامانة

 ماهي هذه الأمانة؟ الأمانة العظمى هي مقام التكليف العبودية لله سبحانه وتعالى بمعناها الشامل والتي تشمل الشعائر التكليفية وتشمل كذلك تعمير الأرض على ضوء منهج الله سبحانه وتعالى

 أيها الأخوة الأحبة ان الأمانات شاملة لكل ما كلفناالله  سبحانه وتعالى به وما أعطاه الله ايانا من امانة النفس والعقل  واالأعضاء وغيرها من النعم حتى نستعملها في طاعة الله سبحانه وتعالى  وتسخرها في مصلحة العباد والبلاد حيث تحافظ على العهد الذي عاهدت   الله به لأنك أنت بهذه الأمانة تكون عادلا وبهذه الأمانة لو تنفذها تكون عالما

ومن المفسرين من لا يفرقون بين ظلوم وظالم وبين جهول وجاهل فقول الله " إنه كان ظلوما جهولا " أي ان هذا الانسان الظلوم له قابلية الظلم  الجهول له قابلية الجهل بهذه الأمانت حينما يتحملها يصبح عادلا لأنه مكلف بالتعمير ولا يتم التعمير الا بالعلم بل لا تتم العبادة الا بالعلم . اذا مهما كنت حضاريا ومهما كنت راقيا وتتدعي الحضارة اذا لم تحمل هذه الامانات بوجهها الحقيقي  فانك ظالم اما  ان تظلم نفسك  أو تظلم  حق ربك أو تظلم حق العباد والبلاد الى آخر هذه الأمور ، لذلك بين الله سبحانه وتعالى انه بسبب هذه الامانات يكون مقام التكليف فمنهم من يقبل التكليف ومنهم من ينكر هذه التكاليف . اذا هذه الأمانة لخدمة الانسانية  ولكي تحولك من انسان اناني  ومن انسان ظالم ومن انسان يبتعد من ربه لتحميك هذه الامانات من الظلم بهذا المعنى الواسع من الظلم مع حق الله ومع حقوق العباد ومع حقوق الحيوان ومع حقوق البيئة ثم بعد ذلك تكون جاهلا بالحقائق مهما اوتي لك فتكون جاهلا بالقبر كما هي حال بالنسبة لغير المسلمين فمهما أوتوا من العلم فهم لديهم جهل كبير بمستقبلهم بعد هذه الحياة الدنيا يموت فيها الانسان وهم ينكرون ذلك ويجهلون هذه الحقائق

ومن هنا يأتي التكليف مبنيا على الأمرين العلم والعقل ويظهر ثلاثة أنواع المشركون المعاندون، والمنافقون المتظاهرون بالاسلام والمؤمنون الصالحون ويجعلهم أهلا لحمل هذه الأمانة ، أمانة النفس والأرض التي تسيرون عليها والتي كلفك الله سبحانه وتعالى بتعميرها  وأمانة العلم وأمانة الحكم ولذلك جائت " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانت الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " جاء الحكم وتطبيق العدل فيه كأهم تطبيق للأمانة  سواء كنت رئيسا أو مديرا أو رب اسرة وسواء كنت تحكم شخصا واحدا وهذه هي قمة الامانة فاذا تحققت هذه الأمانات حينئذ يزول الجهل  ويزول الظلم وتسود السعادة والحرية والرفاهية . ولكن حمل هذه الأمانت ليست أمرا سهلا انه حينما يكلف الله سبحانه وتعالى النسان ويعطيه من النعم سواء أكان نعمة المال او نعمة الجاه او نعمة الحكم او العلم فان الانسان ان لم يكن متقيا ومخلصا ومراقبا لله سبحانه وتعالى ولم يكن خاشعا ولم يكن عابدا ولم يعش مع الله فانه يظلم هذا ما حدثه حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  "حدثنا  رسول الله صليى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن ألامانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شئ"  ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجله " فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه، ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من أيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً ليردنه علي دينه، ولأن كان نصرانيا أو يهودياً ليردنه علي ساعيه " متفق عليه


الخطبة الثانية


اذا وضعنا ما ذكرنا في ايجاز شديد من الآيات القرآنية والسنة النبوية ومن التحذيرات الشديدة التي بينها القرآن الكريم والسنة النبوية، لو تدبرناها لعرفنا لماذا وصلنا الى ما وصل اليه حال الأمة على الرغم مما آل اليه الله سبحانه وتعالى من القوة ومن خيرات كثيرة، ولماذا تعاني من كل هذه المشاكل والاضطرابات والمصائب، وذلك لأن الامانات لا يحافظ عليها بصورتها الحقيقية ولاسيما امانات الحكم لهؤلاء الذين أتاهم الله ووفقهم الله ليكونوا قادة ليكونوا حكاما ورؤساء وملوكا وامراء ووزراء وقضاة ومسؤولين ومدراء، هؤلاء لم يراعوا بل غفلوا  عن الامانة والعهد الذي بينهم وبين ربهم وهو العدل ورعاية حق الله وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وهو أيضا وضع الأموال والمسؤوليات وكل ما أعطاك الله في مكانها، هؤلاء لم يراعوا حق الله ولم يراعوا الامانة في الحكم الذي أعطاهم الله سبحانه وتعالى وسيسألون عنها يوم القيامة. هؤلاء الحكام معظمهم ولا أقول كلهم عاثوا في الأرض فسادا وغفلوا عن حقوق الله وحق الشعوب واصبحت الشعوب لا قيمة لهم لديهم حتى بعضهم وصف كما رايتم شعبهم بالجرذان وهكذا يقولون ولكن بعضهم يصرحون به وأخرون لا يصرحون. لذلك وصل الحال الى هذه الدرجة ووصل حالة الفقر الى ما نرى والى ما وصلنا اليه اليوم حتى لا نستطيع ان نقف امام دولة واحدة، فالامة الاسلامية والعربية لا تستطيع أن تدفع الظلم عن شعب ليبيا ولا عن أي شخص ولا بد ان نستعين بأمريكا و أوروبا. ضعف الأمة في كل مجالات وعم الثقة بأنفسنا مع العلم لسنا أقل من حيث العدة والقوة والاقتصاد  ولكن ألهينا بعضنا ببعض وغربت العقول ولم يراعى حقوق الله والعباد والبلاد.

لذلك ايها الاخوة، القضية الاساسية كيف أن هذه الأمانات تعود الى أهلها كيف نجد مثل عمر الذي بكى من شدة خوفه من الله سبحانه وتعالى ليقول " لو أن بغلة تعثرت في بغداد لسئل عنها عمر"، ولكن هؤلاء الحكام غفلوا وناموا فأخذت الأمانة ثم اصبحوا وحوشا كاسرة لأن الانسان اذا جرد من الأمانة يكون أشد " بل هم كالأنعام بل أشد" حتى ان الوحوش الكاسرة لا تأخذ لا بقدر حاجتها ولكن هؤلاء لا يشبعون.

أيها الخوة ان أمتنا بحاجة الى هذه المظاهرات والثورات ولكن أخوف ما أخاف عليكم في هذه الثورات ليست الثورة المضادة وانما أخاف أن تسرق هذه الثورات من الجانب الديني الى الجانب العلماني  والى اللاديني والى الابتعاد من الله سبحانه وتعالى وهذه الشعوب ما قامت الا بالدين والشعارات في ميدان التحرير والميادين الاخرى هو الله أكبر والصلاة.  النساء في تونس أول شي عملنها تحديا للنظام البائد لبس الحجاب، واليوم تراد أن تسرق هذه الثورات، وستسرق ان لم نكن من الأوفياء وان لم نكن من اصحاب الأمانات، فهذه الثورات أمانة، هذه الدماء الذكية التي اريقت في تونس وفي مصر واليوم تراق بغزارة في ليبيا واليمن  أمانة في أعناقنا والتي تراق في سوريا التى طال الظلم فيها. ولكن لابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر باذن الله ومهما طال، هذاأمر الله ولكن السؤال كيف نجني ثمرات هذه الثورات، فمن هنا على أصحاب العقول والحكم والقلم أن يكونوا منتبهين لهذه المسألة. ونحن هنا من هذا المقام لا نملك الا التضرع لله سبحانه وتعالى أن يحمي هذه الثورات من سرقة آثارها ومن أبعادها ومن نتائجها ومقاصدها القائمة على حمل الامانات واعادة الامانات الى أهلها.


شارك هذه المادة