الأزمة هي أزمة الأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم


ملخص خطبة الجمعة 22 ابريل 2011 لفضيلة الشيخ علي محيي الدين القره داغي بمسجد السيدة عائشة بفريج كليب


أيها الأخوة المؤمنون


اذا قرأنا تاريخ الأمم وكذلك لو قرأنا تاريخ أمتنا الأسلامية وتدبرنا في التجارب التي مرت بها هذه الامم وامتنا الاسلامية، لوصلنا الى حتمية قاطعة واضحة بل ظاهرة ان كل المشاكل والهزائم والابتلائات تعود في اهم اسبابها الى الازمة الاخلاقية التي تعيش فيها تلك الامة،  فالازمات الاخلاقية بمعناها الشامل التي تشمل الطغيان والسلوكيات غير السوية واللا مستقيمة فانها هي السبب فيما تصيب الامة من هزائم ونكسات، ومما يحدث لها من ابتلائات ومشاكل على مر الزمان وعلى مر التاريخ، وحتى الازمات الاقتصادية فانها تعود الى الازمة الاخلاقية في سببها الاساسي، وان لم تكن كل الاسباب فانها تشكل اعظم سبب واكبر خطر على المجتمعات على الاطلاق، وهذا ما يقوله الاسلام قبل كل شئ وتقوله كذلك الرسالات السماوية الصحيحة ويقول بها علماء الاخلاق، وحتى في الازمة الاخيرة الازمة الاقتصادية العالمية فقد ذكر الخبراء المربون المصلحون بأن السبب الاساس لهذه الازمة يعود الى الجانب الاخلاقي

وكذلك ايضا وكما تذكرون ان الهزيمة التي لحقت بنا في 1967 حرب الايام الستة اوالساعات الست كانت هزيمة اخلاقية قبل ان تكون هزيمة عسكرية، وكانت هذه الهزيمة الاخلاقية قد سبقت الحرب و كذلك صاحبت الحرب ثم مع الاسف الشديد لم يستفد منها الا القليل وازداد الفساد وزاد الطغيان وازدادت الدكتاتورية وهذه الامور كلها يدخل فيما يسمى باللااخلاقية واللااخلاقية تتكون في اوجه خطورتها من عنصرين اساسيين عنصر الطغيان اي القوة والسلطة وعنصر الفساد و السلوك غير الصحيح الذي لا يتفق مع قواعد الشرع والعقل والقيم الصحيحة،   لذلك بين الله سبحانه وتعالى سبب هلاك الامم بهذين السببين،فحينما نقرأ في سورة الفجر،وبعد ذكر كل هؤلاء المجرمين االمفسدين يقول رب العالمين في سبب هلاكهم " الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد" فالطغيان اي قوة المال والجبروت والكبرياء والتجبر والعلو مع الفساد اي الفساد المالي والسياسي والاداري والاجتماعي والفساد الاقتصادي هما السبب في فساد الامم وبين ايضا ان هذا الحكم بالعذاب ليس خاصا بفرعون ولا بقارون ولا بقوم عاد ولا بهؤلاء المتجبرين بل انما هي سنة الله سبحانه وتعالى على مر التاريخ مادامت الدنيا قائمة فامر الله قائم وسنن الله ماضية " ان ربك لبالمرصاد"

لذا يأتي القرآن الكريم فيولي اهتماما وعناية قصوى بقضايا الاخلاق والسلوك حتى ان احد ائمة الكبار في قرن الخامس الهجري يجمع الايات القرانية ويؤلف كتابا سماه جواهر القران وهو الامام ابو الحامد الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى فيجمع جواهر القران كلها، ويعود بهم الى عنصرين أو مبدأين اساسيين تتفرع مهما بقية الامور والمسائل والقضايا، المبدأ الاول هو المعرفة والعلم  ويذكر ان الايات التي تتحدث عن هذا العنصر والمبدا 763 اية، اما المبدا الثاني هو عنصر السلوك والاخلاق فيجمع من الايات المتكاملة وليست الجزء من الاية  الى 741 اية

وبالتالي فحوالي اكثر من 1500 اية تتحدث عن هذين المبدأين الاساسيين والتي نتحدث عنه اليوم هو المبدأ الثاني وهو الجانب الاخلاقي  والذي يأخذ من 18 الى 20 بالمئة من حجم القران الكريم بينما الاحكام العملية من الصلاة والصيام والجنايات والنكاح ومن هذه الامور تأخد بالكثير الى 700 آية من الايات المباشرة وهذه ان دل على شئ انما يدل على أهمية الاخلاق ولذلك يصف الله سبحانه وتعالى هذا الرسول العظيم بهذه الصفة الحصرية وبهذا القسم العظيم "ن والقلم ومايسطرون .... وإنك لعلى خلق عظيم " بهذا القسم وبهذا التأكيد وبلفظ على الذي يدل على الاستعلاء والتمكن والسيطرة  ان الرسول علىخلق عظيم بصفة مبالغة، ولذلك جعله الله رحة للعالمين والرحمة لا تأتي الا من الاخلاق والأخلاق لا يأتي الا من خلال العقيدة بالله سبحانه وتعالى فهي حلقات متواصلة والغرض منها توصيل هذه الامة لأن تكون امة اخلاقية صاحبة خلق عظيم مقتدية برسولها صلى الله عليه وسلم لانها هي القدوة فالرسول قدوتنا والامة يجب ان تكون بهذه المستوى من الاخلاق العظيمة

لذا اذا نظرنا الى حقيقة المشاكل في الامم ان امتنا قد ضعفت في بعض الاحيان وفي معظم الاشخاص او في بعضها في هذا الجانب الاخلاقي والسلوكي وان كان اليوم قد عادت الامة نحو الصلوات والصحوة الاسلامية ولكن لا زلنا بحاجة كبيرة الى هذه السلوكيات بحيث يكون المؤمن في الطيبة واللطف داخل المسجد وخارجها سواء وبحيث يكون كذلك كما يحافظ على الصوات ان يحافظ على اموال الاخرين والعامة والخاصة وان يحميها من الاعتداء على الاعراض والسلوكيات

حينما نقرا تقارير المنظمات الدولية والعربية كلها تؤكد بان نسبة الفساد بمعناها الشامل تصل الى مرحلة كبيرة ففي بعض الدول في عالمنا الاسلامي تصل نسبة الفساد الى 80 – 90 % من أموال الدخل القومي اي ان من كل 100 فلس  تدخل 80 فلسا في جيوب الفاسدين وليس المقصود الفساد الرشوة فقط بل الفساد اعم واشمل من ذلك بكثير فهي تشمل المحسوبية ووضع الشخص في غير محله، وغير ذلك، هذا الفساد الذي ينخر في جسد الامة ووصلت الى هذه المرحلة ان كل ما تضخ من الاموال، حينما نقارنها،  نجد ان هذه الامة تزداد فقرا وجهلا ومجاعة ومرضا وقلة في الغذاء والدواء، والسبب يعود كما يقوله سبحانه وتعالى الى الفساد والطغيان وهما قمة اللااخلاقية حينما يكون الطغيان مع الفساد يجتمعان، فيحنما تكون اللااخلاقية منظمة وفي حماية الدول وحماية السلطة وفي حماية الطغيان  بل السلطة نفسها هي تقوم بها هنا تكون الفساد الكبير، هنا تاتي المصائب من الله سبحانه وتعالى لتنبه الامة ومن هنا أيضا اولى الاسلام عناية قصوى بقضية الاخلاق فرديا

وبالاضافة الى ما وصف الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فان الرسول صلي الله عليه وسلم بين ان اكمل المؤمنين وان اكثرهم قوة واحتراما عند الله سبحانه وتعالى احسنهم اخلاقا "خياركم أحسنكم أخلاقا" فالمعيار هو الاخلاق، والعقيدة والصلوات والعبادات بينك وبين ربك، ولكن اثرها يجب ان يظهر على سلوكياتك " ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" فهذه هي الايمان وهذاهو الاسلام


الخطبة الثانية


اذا استحضرنا ما ذكر في الخطبة ومن الايات القرانية والتجارب الاممية، ثم نظرنا الى هذه الثورات العربية، والتي ان شاء الله ستنتقل الى عالمنا الاسلامي، ضد الظلم والطغيان لوصلنا الى هذه النتيجة، ان العالم اليوم في كل البلاد التي قامت فيه الثورات، انه لم تخرج اعتباطا وانما خرجت كلها بسبب الظلم والفساد وماترتب عليهما من الذل والفقر، ومن عدم تحقيق اي شئ ، فالناس يضحون بانفسهم وثاروا ضد الظلم ولإعادة الكرامة الى انفسهم، ونادوا بشعرات الحرية لانهم حرموا منها، ومن الغنى ومن السعادة، وحرموا من اي انتصار حتى يفتخروا به امام العالم

ففي ظل هؤلاء المستبدين في معظم البلاد العربية خسرنا الارض وفلسطين مع ان كل هؤلاء اتوا الى الحكم باسم الدفاع عن فلسطين وفي ظل انهم سيحررونه، استسلموا وأُحتل اكثر من اراضينا ومع هذا اهانوا شعبهم واذاقوهم ظلما، فلا غنى في الدنيا ولا سعادة . ولذلك هذه الثورات هي ثورات ضد الظلم وانا أُبشر اي حاكم عادل، بأنه لا يمكن ان يحدث في دولتهم الثورات.  وان هؤلاء الحكام مهما كانوا مستبدين فالنصر لهذه الثورات

واسئل الله ان يحمي هذه الامة من الفتن ، الفتنة في الدين ، اي ان لا يعبد الله بحرية، وان لا تستطيع أن تقوم بأداء شعائر دينك  بصورته الكاملة بدون مراقبة هؤلاء المستبدين، وان يبعد الفتن عنا  بمعناه الذي اراده الله لا بمعنى الذي يراه هؤلاء المستبدون وان يعود بأمتنا الى الحرية الصادقة .


شارك هذه المادة