الأزمة هي أزمة الأخلاق (2)

بسم الله الرحمن الرحيم


ملخص خطبة الجمعة 31 ابريل 2011 لفضيلة الشيخ علي محيي الدين القره داغي بمسجد السيدة عائشة بفريج كليب


أيها الأخوة المؤمنون

إذا نظرنا الى تاريخ الأمم السابقة ،كما أمرنا الله سبحانه وتعالى ،أن نسير في الأرض ، للنظر ماذا فعلوا وماذا جنوا، واذا قرأنا كذلك الكتب المنزلة وكتب الحكمة والعلم والأدب لوصلنا الى أن أهم اسباب تدمير الشعوب والأمم السابقة، يعود الى عدم الالتزام بالأخلاق والقيم الربانية التي أنزله الله سبحانه وتعالى، والتي خلقها الله سبحانه وتعالى داخل النفس الانسانية من الفطر السليمة.

ومن هنا كانت الامم التي أنزل الله سبحانه وتعالى عليها الرسالات السماوية حينما حرفت أفعالها وحينما غيرت أخلاقها نحو السئ كانت النتيجة الهلاك والدمار، وقد اصابت أمتنا الاسلاميةمنذ فترة ليست قصيرة بجزء مما اصابت الأمم السابقة من الفصل بين الأخلاق والقيم وبين الواجبات الشرعية والعبادات، بحيث أصبحت معظم الناس يولون العناية بالعبادات بمعناها الشعائري من الصلاة والصيام ولكنهم في معظمهم يتخلون عن هذا الواجب الاساسي،  وهو الالتزام بالاخلاق الاسلامية و القيم السامية ، بل الاخلاق التي فطر الله سبحانه و تعالى الناس عليها  ، و لكن الفرق بين امتنا الاسلامية و الامم السابقة هو ان الامم السابقة حينما انحرفوا حرفوا ايضا كتبهم و رسالاتهم السماوية و نسوا جزءا كبيرا من هذه القيم و الاخلاق " يحرفون الكلم عن مواضعه و نسوا حظا مما ذكروا به " غير ان امتنا الاسلامية التي اراد الله سبحانه و تعالى لها الخير الدائم و الشامل و الخلود النسبي في هذه الدنيا و الخلود الدائم في الاخرة ، حفظ الله سبحانه و تعالى لها قيمها و اخلاقها و دينها وشرائعها من خلال حفظ القرآن الكريم و كذلك حفظ السنة النبوية المشرفة التي هي بيان لهذا القرآن وبوعد من الله سبحانه و تعالى " انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون " فالله سبحانه و تعالى تكفل وضمن حفظ القرآن الكريم فحفظ فعلا في الصدور ، وكلما تقدم العلم ازدادت وسائل حفظ القر|آن الكريم حرفا بل حركة و رسما . حفظ الله سبحانه و تعالى هذا القرآن على عكس ما حدث لبقية الرسالات السماوية التي كلف الله سبحانه و تعالى علماؤهم بحفظها و لكنهم لم يقوموا بهذا الواجب ، و لكن الله اكرم هذه الامة بهذا الضمان و من هنا فما يقال عن السننن التاريخية التي تطبق على الامم من رحلة الضعف و الطفولة و الشباب و الهرم و الشيخوخة و الفناء لا تطبق هذه السنن على هذه الامة من خلال امة المبادئ و القيم ، و ان كانت هذه الامة تطبق على الشعوب و الاقوام التي يطبقون و يكملون الحضارة الاسلامية ( و ان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم ) الاقوام تتبدل و لكن الامة الاسلامية بقيمها تبقى ولذلك تتجدد مع مر الازمان و الدهور  و لكن الاشكالية في فترة الجمود و في فترة الضغف و الرخص و الحيل، حينما ضعفت بعض اقوام هذه الأمة وكانت الاشكالية حينما تكونت فكرة وتصور أو مجموعة من التصورات التي اسندت الى الاسلام في الفرق بين الأوامر والنواهي اللتين تعلقان في قضايا العبادات والأمور النالية التي تقوم بها جوارح الانسان وبين الأوامر والنواهي الأخلاقية التي تتعلق بقلب الانسان وننفسه وبروحه وبعقله وبفطرته، هذه الاشكالية التي حدثت في هذه الأمة والتي أخرتها فعلا، ولذلك حتى في الجوانب الفقهية تجد فرقاً كبيراً بين ما يسمى  الحكم التكليفي الذي يكون ذلك الشئ حراماً وبين الحكم الوضعي حيث يكون  انه  في  بعض الآراء صحيح وليس باطلاً، بينما الحقيقة تقتضي أن يكون هناك انسجام تام بين ما هو محرم وبين آثاره و بين ماهو من الحرمة وكذلك من البطلان والفساد ، لذلك تجد بعض أئمتنا في العصر القريب والى يومنا هذا ايضا يرى الالتزام الكامل بالصلوات و التراويح و العمرة و الحج ، و لكن في المقابل لا تجد هذه الاثار على الاخلاقيات و السلوكيات و على تعامل هؤلاء القوم انفسهم مع الاخرين ، و حتى في فترة الحج و العمرة ترى الرجل معتمرا او حاجا و لكنه لا يتخلق باخلاق الاسلام حتى في التعامل مع اصدقائه و مع زملائه هذا دليل على اننا نفرق بين العبادة الشعائرية و بين الاخلاق العملية ، بينما هذا مخالف لفكرة و تصور الاسلام و عقيدة الاسلام و عبادته ، و كلتاهما تركز على ان تكون للعقيدة آثارها في تعاملك و في حسن تعاملك مع المخلوقين ، و تعاملك مع صفات الله سبحانه و تعالى التي نقرأها و نخفظها دون ان نعتبر بها ، فحينما نقول الرحمن الرحيم الغفور العفو فهذه صفات الله نقرأها و ندعو بها ، ولكن لا نلتزم بمقتضاياتها ، فما دام الانسان يحب الله فيجب ان يتصف بهذه الصفات ولله المثل الاعلى " ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء " و هكذا في بقية الصفات ، ما عدا الخاصة بالذات الالهية التي تصف الرب من الخلق و الايجاد .

فمن هنا ايها الاخوة الاحبة : القضية هي باختصار شديد ان بعض الافكار في ظل الضعف اوصلت الامة الى هذا الفصل بين العبادات و الاخلاقيات و السلوكيات ، بل وصل الامرالى ان جعلت بعض الاراء القضايا الاخلاقية غير ملزمة ، و جعلته احسانية طوعية غير ملزمة ، بينما الاساس في الاسلام هو الاخلاق بعد العقيدة الصحيحة . بل يجب ان تؤدي العقيدة الصحيحة بصاحبها الى الاخلاق الجميلة و الربانية " و لكن كونوا ربانيين " و هذه صفة الرب ، فهو رب العالمين ، و العبد يكون ربانيا حينما يكون لطيفا و محبا و خادما للناس ، يربي الناس على محبة الاخرين ، و من هنا ادى هذا الفصل الى هذه النتيجة الخطيرة سواء اعترفنا بها ام لم نعترف بها ، وهو الفصل بين الاخلاق و العبادات . و هذا الفصل غير صحيح ، فالله سبحانه و تعالى جعل اعظم صفة للرسول صلى الله عليه و سلم و التي اقسم الله سبحانه و تعالى عليها هي صفة : الخلق العظيم بعد القسم بالنون و القلم " ن و القلم و ما يسطرون " وبعد ذلك بآيات ذكر الصفة العظيمة  " و انك لعلى خلق عظيم " و حرف ان للتوكيد و بعدها جاءت اللام  لزيادةالتوكيد ، وبكلمة على بمعنى التمكين و الاستعلاء  على الخلق العظيم ، و لم يقل الله سبحانه و تعالى انك تتصف بالخلق العظيم و انما انت مسيطر و متمكن  من الخلق العظيم و اصبح الخلق العظيم جزءا من الرسول صلى الله و عليه و سلم و هو فطرة منفطر عليها الرسول صلى الله عليه و سلم .

و قد تناولت في صفات عباد الرحمن ان الصفة الاولى التي جعلتهم يستحقون الفردوس الاعلى هي الاخلاق قبل الصلاة " وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا " و هذه الصفات الفعلية للجوارح، " و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " و هذا خطاب قولي  ، و كل هذه الامور الفعلية و القولية منضبط بالاخلاق الجميلة و العظيمة و في قمتها و ليست في وسطها .

و كذلك الايات الاخرى كلها تربط بين العبادات و السلوكيات :" ان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر " " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها " تطهير النفس للغني من الجشع و الطمع، و للفقير من الحقد و الحسد ،و التزكية و النماء للمجتمع. وكذلك الاحاديث الشريفة الواردة في قضايا الأخلاق اكثر من كثير من قضايا العبادات

ولكننا نلتزم بأمور العبادات ولا نطبق جزءه الآخر من الأخلاقيات وهذه ما يجعلنا أن نخاف في أن يطبق الله سبحانه وتعالى علينا ما قاله رب العالمين في اليهود والنصارى "لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" أو يطبق علينا " يؤمنون ببعض الكتاب و يكفرون ببعض" وهنا لا يقصد باكفركفر العقيدة وانما كفر العمل أي حينما لا تكون أعمالنا  متناسقة متناغمة مع عقيدتنا ومع أوامر الله سبحانه وتعالى وشريعته والدين التي ننتسب اليها، فقد كفرت بهذه النعمة ولم تطبق ما أراده الله  سبحانه وتعالى منك.

وهكذا أيها الإخوة لو قرأنا القرآن والأحاديث الشريفة لوجدنا الأخلاق هي المعيار ، هي الميزان، بالإضافة الى قدوتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان كما قال أنس أنه كان أحسن الناس خلقاً، والسيدة عائشة تقول " كان قرآنا يمشي  " فكم من أناس تكلموا وكم من أناس جروا ردائه حتى أثر الرداء في كتفه المبارك وهو يبتسم ويلتفت اليه ويسمع منهم حتى يقال له (أعدل) وهو رسول الله وهو الحاكم ولكنه لا يتركهم حتي يبينوا السبب لفعلتهم ولقولهم ومن ثم يرضيهم حتى لا يبقى بينه وبين الصحابي شيئ وحتى يقول الصحالي اني رضيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضاء الناس ورضاء الشعوب مهم جداُ لأن شهادة الناس شهادة مقبولة عند الله سبحانه وتعالى .

ايها الاخوة الكرام

فإذا أردنا ونحن في  في خضم هذه الثورات وفي خضم هذه الصحوة المباركة أن تنجح هذه الثورات وأن تنجح هذه الأمة أن تصل الأخلاق والقيم الى مصافي العبادات بل أكثر وأن تطبق الأمة هذه الأخلاقيات والقيم في مجموعها والا سنكون غثاء كالغثاء السيل ، والغثاء هو حينما يكثر عددنا في بعض العبادات ولا يكثر عددنا في الأخلاقيات وفي الحرية والعزة والكرامة وفي الدفاع عن الآخرين والتضحية والفداء والشجاعة ( أنكم كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل) ويتحول هذا الغثاء الى الجد  حينما تكونوا قرآنا يمشي على الارض


الخطبة الثانية

أمتنا اليوم في خير كثير ولكنها تحتاج الى أن تنهض أكثر حتى تستحق ما أعد الله لعباده المخلصين المتقين وكل ما نراه في أمتنا من غلبة هؤلاء الطغاة وسطوة هؤلاء الجبابرة فأنها تعود الى هذه القيم الأخلاقية التي لم يلتزموا بها ولم تستطع هذه الأمة أن تنفذ هذه القيم على نفسها أو على هذه الطغاة المستبدين ويصلوا الى هذه المرحلة التي نحن نراها وأخذوا ونهبوا أموال البلاد وكذلك أموال العباد ومن هنا جائت هذه الثورات رداً لهة الأمة الى كرامتها والى عزتها وقيمها وأخلاقها والى الأمانة التي أراد الله سبحانه وتعالى لها وهي أمانة الحكم والاستخلاف وأمانة التمكين في هذه الأرض فهؤلاء الطغاة لو كانوا لديهم أخلاق وقيم هل كانوا يفعلوا ما يفعلون اليوم في ليبيا وسوريا فالمظاهرات كانت سلمية وحدوية غير طائفية   ولم يطلبوا غير الحرية ولكن الطغاة لا يستطيعون أن يعيشوا في الهواء الطلق ففعلوا ما فعلوا وقتلوا ما قتلوا وكأن الجيش الذي أعد لمحاربة اسرائيل ولم يستعمل منذ ثلاثين سنة أو أكثر بل أحتل جولان وكثير من البلاد المسلمين ذهب هذا الجيش لمحاربة درعا والمدن الأخرى. أي حاكم أو رئيس يرضى أن يقتل شعبه بهذه الطريقة وهو لا يستحي بأنه رئيس لهذه الدولة. كلمة الرئيس في العربية اشتقن من الراس اي الذاكرة فحين يحتاج اي جزء من الجسم الى الاسعاف يرسل هذا ارأس أو المخ اشارات لأسعاف هذا الجزء.

وكذالم ما يحدث في اليمن فالشعب مع تسلحه تمكنوا من أن يضبطوا أنفسهم وأن يتظاهروا سلمياً فالحكمة يمانية، فلم يستعملوا لا خنجرا ولا سلاحاً رغم الاعتداء عليهم.

وادعوكم ايها الإخوة للدعوة بإخلاص حتي يوفق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لتحقيق الصلح بين إخواننا في الصومال فلقد جلسنا معهم في جلسة المصالحة التي ضمت تقريباً أكثر الفصائل الصومالية لا سيما العلماء والإخوان لتتمكن هذه الدولة الاسلامية، بلد العزة والكرامة بل الخير والبركة من الخلاص من الفتن والقتال الداخلي.


شارك هذه المادة