الحقوق المتقابلة بين الانسان ونفسه

بسم الله الرحمن الرحيم


أيها الإخوة المؤمنون

اذا كانت الحقوق المتقابلة التي تحدثنا عنها في الخطب السابقة تشمل العلاقة بين الانسان وخالقه, وبين الانسان وأهله وأقاربه وبيئته, وبين الانسان مع بقية المخلوقات، أي أن هذه الحقوق المتقابلة تشمل جميع العلاقات التي تنظم بين الانسان المسلم وغيره، فاذا كانت هذه الحقوق تشمل هذه الجوانب الخارجية من الانسان، فإن هذه الحقوق المتقابلة تشمل ما في داخل الانسان ايضا، فقد جعل الله سبحانه وتعالى العلاقة بين الانسان ككيان وبين مكونات الانسان من الاعضاء الخارجية والاجهزة الداخلية قائمة على اساس الحقوق المتقابلة، كما بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في احاديث صحية منها التي رواها البخاري وغيره بسندهم  فعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال كل قال فإني صائم قال ما أنا بآكل حتى تأكل قال فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان".

فأصبح كل ما قاله سلمان سنة وقولا مقررا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا هو شعار المسم الحقيقي في حياته، انه يعطي كل ذي حق حقه.

 ومن اصحاب الحقوق عليك بدنك ومكوناتك الداخلية من القلب ومن النفس والروح والعقل وكذلك مكوناتك الخارجية من العين والجوارح، فكل هذه الاشياء لا يجوز للانسان ان يظلمها، ويسمى هذا ظلماً لان هذه المكونات مما خلقها الله سبحانه وتعالى، وانت لست خالقها ولا صانعها وانما الله هو الخالق، وانت وكيل ومستخلف في ذلك، تقوم بهذا الواجب، وبذلك لا يملك الانسان نفسه بالانتحار او بالقتل او بالتعذيب اوبالايذاء لأن هذا مملوك لله سبحانه وتعالى .

وقد تكرر ذلك في حديث آخر رواه الخاري ومسلم بسندهما عن عبدلله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ . فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي !! قَالَ : ( فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ ) . قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ ) قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا ، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ ) . فَقُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ) .

وفي رواية صحيحة أخرى: ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ ‏ ‏صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)

فهذه الاحاديث والايات الكثيرة تدل على ان الانسان المسلم يجب أن يكون منظماً، ويجب أن يكون كذلك مقتصداً، وأن ينظم وقته على الامور كلها، حتى العبادات بمعناها الخاص أي الشعائر التعبدية، فإن الله سبحانه وتعالى لا يريد للعبد الملسم أن يشغل كل وقتها بها، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق هذا الانسان لأداء الشعائر فقط، لم يخلق الانسان لأن يعبد الله ويكتفي بهذه العبادة بمعناها الخاص، أي الصلاة والاصيام، وانما خلق الله سبحانه وتعالى هذا الانسان لتعمير الكون ولإفادة ومنفعة الناس، ولو كان المعيار هو كثرة العبودية لكانت الملائكة افضل من أن يكونوا على الارض، وأن يكونوا خليفة الله سبحانه وتعالى في الارض، ولكن المعيار هو العبودية حتى ينصلح حال الانسان ثم بعد ذلك تعمير الكون في ضوء منهج الله واصلاحها، واستخراج ما في الارض لمنفعة المسلمين بل لمنفعة الانسانية جميعا (والأرض وضعها للأنام) اي للبشرية جميعا.

 فهاتان العلتان وهاتان غايتان اساسيتان في خلق الانسان وحينما عرض ذلك على الملائكة (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الملائكة لا يعرفون المعصية هم يعبدون الله سبحانه وتعالى، ولا يعصون الله في شئ، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق الملائكة لأداء دور، وخلق الانسان لأدار دور آخر، وهو دور ازدواجي يجمع بين الشعائر التي تصلح الانسان ثم يقوم هذا الانسان بإصلاح الكون، وإصلاح الانسانية ولذالك خير الناس من ينفع الناس، وخير الناس من يترك وراءه صدقات جارية، وخير الناس من يستطيع ان يقدم اي خدمة لأي بشر بل لأي حيوان فقد دخلت امراءة النار حبست هرة ثلاثة ايام، ودخلت امراءة بغية فاجرة الجنة حينمل سقت كلبا لأنها نفعت هذا الكلب. فالمعيار للانسان ما يقدمه للانسانية، وما يقدمه لتفسه وأهله ولوطنه الخاص ثم لوطنه العام الاسلامي ثم للبشرية جميعاً,

ومن اصحاب الحقوق عليك نفسك وبدنك وجسدك ونفسك الامارة بالسوء حيث تحولها الى النفس اللوامة والى النفس الرضية والى النفس المطمئنة وحينئذ تسعد واذا لم تشبع هذه النفس بالعبادة والذكر والاطمئنان النفسي فأنك تتعذب فعلاً من خلال النفس  المضطربة.

وهكذا للجانب الروحي من تلاوة القران الكريم، ومن ترويح النفس من خلال رؤية الاشياء الطيبة، والتي في حدود المباحات، هذا ما بينه الحديث الذي رواه الامام مسلم في صحيحه عن حنظلة الأسيدي قال وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات.

لذا شرع للانسان فعلا الاسترواح والسياحة ولكن بشرط واحد أن لا تؤدي هذه السياحة الى ارتكاب المحظورات والمحرمات.

بهذا التوازن العظيم اراد الله سبحانه وتعالى لهذا الانسان المسلم أن يكون موزونا ومتزنا فحينذ يعيش في سعادة الدنيا والاخرة، والبشرية كلها على الاطلاق على طرفي النقيض اما انها مهتمة بأمور الدنيا وشهواتها فقط ويعيش الانسان لأجلها كما هو الحال لغير المسلمين ولا سيما في الدول الغربية وأنظمة الرأسمالية التي عودوا الناس على ثقافة المادة وعبادة المادة، أو ان البشرية في طرف آخر من الرهبانية والاعتزال وترك الدنيا، وكيلا المنهجين خطأ، والمنهج الصحيح هو ما بينه الله وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم من ان يكون الانسان متزنا في هذه الامور ومقتصدا ووسطا وهذا هو منهج الاسلام (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً)


الخطبة الثانية

ولأجل هذه العظمة في الاسلام، وجماله وتحقيقه لسعادة الانسانية جمعاء، فإن اعداء الاسلام لا يريدون ابدا ان يظهر الاسلام في صورته الحقيقية، وتراهم يدعمون بالمال وبالجانب المعنوي والاعلامي، الحركات المتطرفة في الجانبين التي تهتم بالعنف والارهاب والتي تهتم بالعزلة والانعزال

فاعداء الاسلام يبذلون كل جهودهم حتى لا يظهر هذا الاسلام الحقيقي لأنه لو ظهر الاسلام بصورته الحقيقية التي ارادها الله والتي تحقق السعادة الحقيقية للانسان وتخرج الانسان من هذا الشقاء لوصل الاسلام بسرعة الى العالم الاجمع.

وقد التقيت مرة مع المسؤولين في النرويج حول مسألة الاسلام والاقليات المسلمة، وحضرته بعض المستشرقات وبعض المستشرقين، ولما قدمت لهم الاسلام الصحيح، قالت احدى المستشرقات، وهي مستشرقة هولندية، اتوا بها، وقالت لو كان المسلمون اليوم يصدرون هذا الاسلام لدخلنا الاسلام خلال سنوات ولكن الاسلام مشوه واين هو الذي تقوله فنحن لا نجده.

ولنأتي الى مكر الاعداء التي وصف الله سبحانه وتعالى مكرهم( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) اي التخطيط والمؤامرة لإبعاد الاسلام عن حقيقته وتشويه الاسلام من خلال الاعلام ومن تصرفات بعض المسلمين، هذا المكر الكبير نشاهده في كل مكان، لا سيما اليوم حينما تظهر الثورات العربية التي اتت بالاسلام ورجحت الاسلام ونجح فيها الاسلاميون، وهم يريدون نطبيق هذا الاسلام، فشن العالم عليهم هذا الهجوم العنيف حتى لا ينجح الاسلام يصورته الحقيقية، وبخاصة في مصر التي لها وزن كبير على مستوى العالم، فلو قامت مصر العظيمة بحضارتها وثقافتها وشعبها بتطبيق الاسلام الصحيح وقدمت الانموذج الذي يسعد الانسانية ويقضي على الفساد كما فعله عمر بن عبد العزيز، جاء والناس في مظالم واستطاع خلال سنتين وستة اشهر و17 يوماً و11 ساعة استطاع ان يحقق الغنى والرفاهية لهذا المجتمع العظيم من الصين الى طنجا.

لقد احترنا الامس، كيف دبروا هذه المؤمرات؟ كيف استطاعوا ان يسخروا القضاء؟ كيف استطاعوا ان يؤخروا هذا القرار ليوم الخميس حتى يربك الجميع وبيوم واحد بعده يكون هناك انتخابات الرئاسة، فلماذا سكت القضاء كل هذه الفترة عن هذه الامور؟ وكيف يكون المواد غير قانونيا  وباطلة؟ وقد صوت عليها الشعب بنسبة 87% في الانتخابات السابقة، وعرض الامر على المحكمة الدستورية وشهدوا بأن الانتخابتا لم تظهر فيها بشكل جوهري اي تزوير، فهل ارادة الشعب اقوى ام ارادة القاضي؟ نحن لا نعترض على القضاة ولكن لماذا ؟ ولماذا لم تلغي هذه المحكمة الدستورية نفسها قبل سنتين الانتخابات المزورة التي قام بها نظام مبارك وشهد الجميع بأن الانتخابات كانت مزورة ؟

هذا هو المك،ر هذا هو التنخطيط والاشغال من قبل اعداء الاسلام والمنظمات التنصيرية ولا اقول المنظمات الصليبية نسبة الى الصليب، لأن كلمة الصليبية لم يستعملها المؤرخون المسلمون بل سموها حرب الفرنجة فلقد كانت حربا سياسية على المسلمين فإخوانا المسيحيين جزء منا جزء من هذه الحضارة.

ولكن مع كل ذلك فهذا امتحان آخر وان شاء الله سيفوز فيه الشعب المصري، وسيعطى المصري صوته للمرشح الآخر الذي يمثل الثورة فينجح وحينئذ بإذن الرحمن الرحيم يبطل كل هذا المكر (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) 

ولذلك نقول لاخواننا المصريين ان ادلاء الصوت والمشاركة في الانتخابات فريضة شرعية وواجب عيني، على كل من له صوت ان يدلو بصوته، وانه واجب آخر أي يعطى هذا الصوت لمن يستحقها (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) والشهادة هي هذه الاصوات، فلتكن هذه الشهادة لمن ينهض بمشروع النهضة، لمن يقول الاسلام هو الحل، لمن يقف مع المشروع الاسلامي، ولا أشك أن الشعب المصري يربأ بأن يعيد مرة أخرى النظام الذي قتل وذبح وأذل المصريين وأوصل نسبة الفقر في هذا الشعب الى 60% تعاني من الفقر المدقع، وليس 40% من النسبة فوق خط الفقر بسبب الخطة التنموية داخل مصر وانما بسبب قناة السويس والموارد الخارجية وكذلك اخواننا الصمريين في الخارج  يحولون اموالهم الى داخل مصر،  اذاً لم يستفيد من اموال مصر الا 5% من المحتسبين والمنسوبين للنظام السابق.

وفي هذا الخضم علينا ان لا ننسى اخواننا في سوريا، اخواننا المظلموين المضطهدين، واخواننا الذين يقتلون ويذبحون، واخواننا الذين يقتل ابناءهم ولايُستحيي نساءهم، بل إما ان يعتدى عليها بهتك الاعراض او تقتل مع الاطفال، هذه الجرائم الانسانية ان شاء الله لن تستمر كثيرا، فالله معهم وان كان العرب والمسلمون اكتفوا بمجرد الكلمات و التنديدات ولكن الله وان امهلهم ولكن لا يهملهم ابدا إن ربك لبالمرصاد.   


شارك هذه المادة