قصة بنو اسرائيل وواقعنا المعاصر

أيها الإخوة المؤمنون

حينما نتدبر القرآن الكريم ونقرأ آياته العظيمة نجد أن أكبر حجم من القصص تأخذه القصص التي تتعلق ببني إسرائيل وأن معظم الآيات التي تتحدث عن الأقوام السابقين إنما تتحدث عن بني اسرائيل ، اليهود، كل ذلك لأجل التركيز والتثبيت والتأكيد على أمرين أساسيين على أمرين عظيمين يجب علينا أن نستفيد من هذه القصص اليقينية الثابتة التي ذكرها القرآن الكريم لنا بيقين لا يشوبه شك ولا ارتياب هذا الأمران هما أن الصراع بين بني إسرائيل المتمثل باليهود وبين المسلمين سيظل إلى قيام الساعة وهذا ما أكده الرسول  في أحاديث كثيرة والأمر الثاني وهو أهم من الأمر الأول أن ما أصاب بني اسرائيل من الأمراض والمشاكل والمصائب هي التي ربما تصيب هذه الأمة إذا طال هجرها للقرآن وإذا لم تعش مع القرآن ولم تتخذ القرآن قدوتها في أعمالها وفي تصرفاتها.

إن الله يؤكد على مجموعة من المصائب التي أصابتهم  حتى يحذر هذه الأمة من الوقوع في مثلها ومن هذه الأمراض التي أصابت بني إسرائيل هي مشاكلها الداخلية وتفرقها وتمزقها فيما بينهم وشدة بعضهم على بعض أكثر من شدتهم على الكفار والأعداء ومن هنا جاءتهم المصائب والهزائم الشديدة وجاءهم الخزي في الحياة الدنيا من الأسر والإخراج والتعذيب وغير ذلك بل من غلبة الأقوام عليهم و سومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة.

هذه الصورة هي التي نخاف أنها قد تحققت بين أمتنا وبني جلدتنا حيث إن الله سبحانه وتعالى يصف المؤمنين بما يجب أن يتحلوا به، رحماء بينهم، أشداء على الأعداء، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين.

من هنا نتلوا جزءًا من هذه الواقعة التي وقعت لبني إسرائيل  ونعرضها على واقعنا المعاصر حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) فالله سبحانه وتعالى أخذ منهم عهداً غليظاً وميثاقاً كبيراً أن يكونوا إخوة فيما بينهم وأن يجمعهم الإيمان وأن يكونوا أمة مؤمنة صادقة متحابة فيما بينها، ولا يقتل أحدهم الآخر، ولا يخرجه من دياره، هذا العهد أخذه الله منهم بميثاق غليظ في الالتزام بأوامر سيدنا موسى وهارون، ولكن الذي حدث يقول الله تعالى  (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

الذي فعله بنو إسرائيل بعد الميثاق الغليظ التقاتل فيما بينهم، وسفك الدماء دون رحمة، وإخراج البعض من دياره، والتظاهر والتآمر على بعضهم، والتعاون والتودد إلى أعدئهم وخصومهم، من كفرة وملحدي عصرهم، فكان جزاؤهم الأوفى الخزي في الحياة الدنيا، حيث سلّط الله عليهم مَنْ لا يرحمهم، فأذلهم وأخرهم من ديارهم، وأسروهم عبيداً وإماءً، وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا، وباؤوا بغضب من الله في الآخرة، والسبب في ذلك أنهم (اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ).هذه الصورة الواضحة لا تحتاج إلى تفسير  تجاه حال أمتنا الإسلامية .

لقد شدد الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المشرفة على وحدة الأمة وعلى عدم التنازع وبين خطورة التنازع والقتال الداخلي، ونفر من الولاء للأعداء مهما كانت وعودهم حلوة، ولكننا أيضاً فعلنا ما فعله اليهود، فالذين قتلوا من المسلمين بأيدي المسلمين يزداد ويتضاعف عددهم أكثر من خمس مرات مما يقتل غير المسلمين من المسلمين سواء، كانوا داخل دولة واحدة كما شاهدنا في العراق والكويت، واليوم نشاهده في سوريا ومصر ، ثم بعد ذلك يقتل المسلمون على أيدي غير المسلمين، كما هو الحال في أفريقيا الوسطى، وميانمار أكبر مأساة كما يقوله الأمم المتحدة، واليوم في الهند حيث قتلت مجموعة من المتطرفين عدداً كبيراً من النساء والأطفال، رخصت دماء المسلمين فيما بيننا، فرخصت عند الآخرين (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) وعبر القرآن الكريم بــــ { تقتلون انفسكم } لأنه حينما يقل الشخص الآخر، فقد قتل نفسه أيضاً، قتل جماعته وأمته ودخلت الفتن عن طريق القتال بالإضافة إلى الإخراج والتدمير الذي نشاهده، ويقول الله تعالى ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) نفس الشيء نحن نجمع التبرعات عندما تكون مشكلة، ولكن لماذا لا نمنع القتال في البداية؟ هذا القتال مثلاً في سوريا أو هذا القتال الذي يحدث في مصر أو العراق، من خلال منع الظلم أو من خلال منع الدكتاتوريين أو من خلال الدعوة إلى مثل حلف الفضول الذي دعى إليه زعماء القبائل العربية في الجاهلية، والتي نصت بنودها على مساعدة المظلوم مهما كان قوي الظالم، بغض النظر إلى قرابته وصلته، ولقد أثنى الرسول  على هذا الحلف ونحن عندنا حلف الإسلام وميثاق الإسلام وميثاق الإيمان، ومع ذلك يحدث ما ترونه في أمتنا، والسبب هو بيع الآخرة بالدنيا، فاليوم تباع الأمة وتباع المكاسب والثروات وكلها في سبيل مصالح شخصية أنانية حزبية.

الله بيّن لنا أهمية الولاء للمسلمين (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) فأعداؤنا متفقون على المصالح الاستراتيجية ومتوافقون على ما يضرنا وعلى ما يصلح لهم، فإذا لم يجمع بيننا الولاء فشلنا وذهبت ريحنا، وخارت قوانا، ووهنت عزائمنا، وتسرب الضعف إلى القلوب، واستوطن الخوف في الأفئدة، وسقطت هيبتنا بين الأمم، وحلت بنا المصائب وأحدقت بنا الفتن، وانتشر  وباؤها في كيان الأمة، لا يقف عند حد، ولا يُدرك له علاج إلا الرجوع إلى احترام الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا، ميثاق أخوة الدين.

ليكن ولاؤنا لبعض، ولنتراحم فيما بيننا، تأملوا الوصف الدقيق لهذا الولاء وهذه الرحمة في آيتين عظيمتين في سورة الفتح، وهي أعظم سورة بشر الله سبحانه وتعالى فيها الرسول  بالفتح المبين ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) معناه الذي يريد أن يكون مع رسول الله  في الدنيا كما كان الصحابة الكرام وبقلبه وعقيدته كما هو حالنا ويريد أن يكونوا معه ومع من أنعم الله تعالى عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين لا بد أن تتوافر فيه هذه الصفة أشداء على كفار رحماء بينهم، والله قدّم هاتين الصفتين على الصلاة والركوع والسجود ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) لأن الأساس في العبادة تقوية لأواصر الأخوة الإيمانية بين العابدين، ولن تتحقق هذه الأخوة، ولن تتحقق هذه الرحمة،  إلا عن طريق العبادة. بل إن هذه الآية الكريمة لم تكتف بالإيمان وإنما اشترطت الرحمة، وهي تأتي بعد الإيمان والعقيدة، فإيمان بالأخوة في الدين، فالرحمة بكل معناها.

ثم ( يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) كشجرة متماسكة لا يمكن فصل أجزائها، فالأمة بهذه الصورة من الوحدة تغيظ الكفار، أما التفرقة فتفرحهم، والمقصود بالكفار في مثل هذه الأمور الذين يعاندون والذين لايريدون الخير لهذه الأمة.

والآية الثانية التي تصف المؤمنين (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فمن يرتد كلياً أو يؤمن بعض الكتاب ويكفر ببعض، كمن يصلي ولكن لا يؤمن بالأخوة الإيمانية ولا يكون رحيماً بالمؤمنين، ولا يسعى لمصالح المؤمنين، ويتظاهر ويتآمر مع الكفرة ضد المسلمين (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)  والتعبير بكلمة{  تعملون } بالخطاب بدل { يعملون } دلالة على استمرار خطاب الآية لكل قوم يأتي بعد نزول القرآن الكريم،  دون تقييد بالأزمنة والأمكنة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

يقول الله تعالى ( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) لا يريد الله قوماً متشاحناً متفرقاً، بل يريد أن يكونوا أذلة على المؤمنين، وأعزة على الكافرين، وكلمة الذل بمعنى منتهى التواضع، ولم يستعمل القرآن الكريم هذه الكلمة إلا في حالتين: الذل مع الوالدين ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وكذلك مع جميع المؤمنين، فكما تخفض جناح الذل للوالدين يجب أن تخفض جناح الذل للمؤمنين والذل ليس المقصود به الإهانة، وإنما التواضع ومنتهى التواضع.

ثم بيّن الله في آخر الآية ( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) فحزب الله هو الذي يتحلى بأذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يتولى الله ورسوله، ثم بشّره الله تعالى بأن حزب الله هم الغالبون، فالنتائج واضحة جداً، لا تحتاج إلى مزيد من التفكير، وإنما تحتاج إلى مجرد من التبصر، والنظر إلى هذه الآيات الكريمة.

إن قضية الإخوة الإيمانية والرحمة الإيمانية بين المؤمنين قضية من الأمور العقدية الأساسية ومن الأساسيات، ومن الشروط الأساسية لمن يكون مع الله ورسوله  ومن الشروط الأساسية لمن تكفل الله تعالى له بالفوز و بالنصر.

أما إذا انتشرت البغضاء والقتال والقتل والإخراج بيننا، فحينئذ تنطبق علينا ما ذكره الله تعالى في كتابنا الكريم لهؤلاء اليهود ثم النتائج الخطيرة في الدنيا والآخرة، وعدم النصر بل الهزائم تلو الهزائم.



الخطبة الثانية
لا نجد دينا أولى العناية القصوى بالإخوة الإيمانية مثل هذا الدين العظيم، الذي حصر الإخوة الحقيقية على الرغم من وجود إخوة النسب والقوم والوطن، ولكن الله أراد أن يجمع هذه الأمة على الأخوة الإيمانية ( إنما المؤمنون أخوة ).
وهذه الأخوة لها حقوق وعليها واجبات؛ لذلك جاءت بعد الآية الدالة على وجوب الأخوة الإيمانية ( فأصلحوا بين أخويكم ) ومن واجبات هذه الأخوة التواضع والرحمة والتذلل، ومَنْ تواضع لله رفعه الله، ولن يقل قدرك عندما تتواضع بالإضافة إلى الرحمة والشفقة، وأن نبذل كل جهدنا لخدمة إخواننا وأخواتنا، وخدمة أمتنا، وأن لا تقبل قلوبنا ما يحدث للآخرين، وأن نحس بآلامهم ومصائبهم وجوعهم وعطشهم وأسرهم وكربهم، وقد رأيت من يصلي ويصوم الإثنين والخميس، ولا يهمه قتل الآخرين، أو تعذيبهم، أو إهانتهم في السجون، أعمتهم الحزبية، ضلالة غريبة!، فلا تهتز  قلوبهم، فأين الإيمان؟ هذا الذي  ذكره الله ( وتقتلون أنفسكم ).
العلاج لا بد أن يكون جذرياً، وأن نعود إلى الأخوة الحقيقية، وأن نتصف بالمواصفات التي ذكرها الله تعالى في الآية رحماء بينهم، وأن نمنع القتال، فما يحدث في سوريا ضرر مرتين، تدمير سوريا بالبراميل وتفتت الشعب، حتى لا تأتيهم المخاطر من هذه الجهة، وحتى لا تشعر إسرائيل بخطر  من مصر و الشام والعراق، وصلاح الدين لم يستطع أن يحرر فلسطين والشام إلا بعدما وحد مصر والشام واليمن والعراق والجزيرة في عشرين سنة وبسنة عرف الطريق، فبدأ من توحيد الله وتوحيد الأمة إلى التحرير، ومن الاجتهاد إلى الجهاد؛ لأنه بوجود الجهل يمكن أن تضلل الأمة، و يغتر  و يضحك عليه كما حدث في القرن الماضي في سقوط الدولة العثمانية .
يجب أن ندرس التاريخ والله سبحانه وتعالى أمرنا بأمرين أن نعود إلى الوحي، وأن نعود إلى العقل والتاريخ ( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) لا يتوبون أي لايعودون إلى الله وإلى الوحي والقرآن ولا يذكرون أي لا يستفيدون من التاريخ والعقل والتجارب.

شارك هذه المادة