وجود النشاط وعدم الركود والركون الى الكسل


أيها الإخوة المؤمنون

إذا نظرنا في كتاب الله، وسنة رسوله  ، حول سلوك المؤمن، نجد أنهما يركزان كثيراً على أن يعيش المسلم جاداً في كل أعماله، منفتحاً، سعيداً في حياته، يتوكل على الله حق التوكل، و يأخذ بجميع الأسباب المتاحة والمشروعة للحياة الرغيدة اقتداءً برسول الله ، ويبتعد ابتعاداً كلياً عما يسمى بالكسل أو التواني أو التقصير في أداء واجباته الدينية والدنيوية.

و لذلك حارب الإسلام الكسل بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وجعل الكسل من صفات المنافقين سواء كان هذا الكسل في أمر العبادات أو الصدقات والخيرات، فقد وصف الله سبحانه وتعالى المنافقين بقوله: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا

 كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ  ) ثم وصفهم وصفاً آخر ( وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ) وفي آية ثانية في قضية الإنفاق يقول الله سبحانه وتعالى في وصف المنافقين أيضاً ( وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ).

 في حين أن الإنسان المؤمن ينشط لكل أعماله، ويقوم بأعماله بنشاط كلي، لأنه يؤمن إيماناً جازماً بأن كل ما يعمله في هذه الدنيا سواء من باب العبادات داخل المسجد أو خارج المسجد أو من باب العادات، فإذا أراد به وجه الله سبحانه وتعالى وخدمة الناس أو خدمة نفسه وأهله وعياله فإنه مجاهد ومثاب، ولذلك لا يعلم الكسل، بل ينشط لكل الأعمال مهما كان الثمن، ومهما كانت قيمة هذا العمل، فلا يعرف الكسل في تصرفاته، ولا في أعماله ولا في أنشطته.

ولذلك وصف الرسول  هؤلاء الذين يقومون الليل ويصلون صلاة الفجر، ويفكون هذه العقد الثلاث، كما في الأحاديث الصحيحة، فإذا قام الإنسان لصلاة الليل أو لصلاة الفجر على أقل التقدير، فإنه يفك عنه هذه العقد، فيصبح نشيطاً طيب النفس، أي أنه لا يكون كسولاً ولا يحس بالكسل، وإنما نشيطاً في جميع أعماله، أما إذا لم يسمع نداء الله بل سمع نداء الشيطان، وأحب النوم والراحة على أساس ضياع صلاته، فإنه يصبح كسلاناً خبيث النفس، ويحس بالتعب والمشاكل، ولا يحس بالنشاط لأنه لم يؤد حق الله تعالى، ولم يبدأ صباحه بحق الله تعالى لذلك يحس بالكسل وخباثة النفس طول اليوم.

المؤمن طيب النفس ونفسه منفتحة مهما كانت المصائب ومهما كانت المشاكل فإن قلبه متعلق بالله، ومرتبط بالله سبحانه وتعالى، ويرجو رحمة الله، ويرجو الثواب من عند الله، وبالتالي لا يحس بآلام الجسد مهما كانت هذه الآلام مؤلمة و كبيرة.

هذا هو وصف المؤمن في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المشرفة التي تدل على وجوب هذا النشاط وعدم الركود والركون إلى الكسل في الأعمال، ولا يجوز أن يحس بالكسل حينما يكلف بأي عمل في أي مجال كان، فإنه يعمل بجد ويعلم أن عمله عبادة يرجو بها رضاء الله سبحانه وتعالى، ويرجو بها رحمته وحتى لو لم يجز الجزاء المناسب من قبل الحكومة أو من رب العمل أو الشركة فإن جزاءه الأوفى عند الله سبحانه وتعالى.

فهو يؤدي واجبه بمنتهى الاتقان الذي فرضه الله تعالى وفرضه الرسول  على المسلم في كل أعماله بأن يكون متقناً ومحسناً في جميع أعماله ويبتغي الأحسن والأفضل.

فلو صارت الأمة على هذا المنهج لما كانت هناك البطالة ولا مشاكل اقتصادية ولو لم يكن هناك بترول، فهناك دول لا يملكون هذا الإيمان ولا هذه العقيدة من أمثال كوريا الجنوبية واليابان والصين فإنهم وفّروا لأنفسهم هذا التقدم الهائل بسبب هذا النشاط وهذه التربية، هؤلاء يعملون للدنيا والمفروض منا أن نعمل للدنيا والآخرة (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) وهذا دعاء سيدنا محمد .

الكسل مرض خطير ومزمن داخل أمتنا الإسلامية، والمفروض أن لا يكون هذا المرض موجوداً مادامت هذه الشعلة الإيمانية تتقد في نفوس المؤمن، لأن الكسل من صفات المنافقين، والمؤمن أبعد ما يكون عن الكسل في الصلاة وفي الإنفاق وفي العمل وفي الاستجابة لأي نشاط دنيوي أو أخروي.

والكسل لا يقصد به في الإسلام الكسل في العمل فقط، بل هناك أنواع من الكسل قد تكون أخطر من الكسل في العمل، وأخطر أنواع الكسل الكسل الفكري والذهني والعقلي، فهؤلاء الذين لا يتعبون عقولهم ولا أذهانهم ولا أفكارهم في التخطيط وفي العمل الجاد وفي المستقبل الطيب في الدنيا والاخرة لأنفسهم وإنما يعيشون كما تعيش الأنعام يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل، بينما المسلم يفكر ويخطط طوال يوم وليلة، وطوال الأسبوع، وطوال السنة، وطوال العمر بل إلى ما بعد الموت والآخرة فيما يفعل، وعلماؤنا ألّفوا كتباً فيما يسمى بأعمال اليوم والليلة من الفجر إلى الفجر ، و هذا مستمر.

علينا أن نستمر في هذه السيرة الطيبة للرسول صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام ولهؤلاء الذين كونوا هذه الحضارة الإسلامية العظيمة في وقت كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس وفي خرافات وأباطيل ، كانت الأمة الإسلامية تصنع وهي التي تبدع وتنشأ العلوم وتؤلف في مختلف المجالات وتحقق السعادة للبشرية جمعاء من خلال هذه الجدية التي تربت عليها هذه الأمة في عصر الرسالة .

لذلك الكسل الفكري والعقلي أصاب هذه الأمة ولا نجد الإبداع إلا قليلاً، وربما يعود هذا السبب الى الكبت والاستبداد ولكن هذا ليس سبباً كافياً، فعلى المؤمن أن يعمل دون أن يتأثر وأن يخدم أمته بإبداعاته، فكم خدم علماء اليهود دولة إسرائيل عندما قدموا منتجاتهم العلمية وإبداعاتهم العلمية خدمة لهذه الدولة التي احتلت أرضنا وديارنا .

الكسل كما هو خطير في الجانب الفكري والعقلي والذهني كذلك هو خطير في الأعمال التي تتعلق بالجانب الدنيوي والأخروي، لذلك علينا جميعاً أن نحارب هذا المرض في أنفسنا، في الصلوات سواء كانت صلاة الفجر أو غيرها أو في الجمعة والحضور، فمعظم الإخوة ليس لديهم عمل بين صلاة الفجر والجمعة ومع ذلك يتأخرون، فما الذي يؤخرهم غير الكسل، رغم هذا الأجر العظيم الذي وصفه الرسول  بأنه من يأتي مبكراً  فكأنما تصدق بجمل ثم بقرة ثم شاة ثم دجاجة ثم بيضة، فإذا صعد الخطيب المنبر  انتهت المسألة، وليس له أي أجر سوى إسقاط الفرض، فهل هؤلاء الذين يجلسون في البيوت، ويتأخرون يصنعون الطائرات أو الدبابات أبداً، إنما هو الكسل، و الكسل مرض، فيجب أن نعلم أنفسنا وأولادنا الجدية في كل شيء حتى نربي جيلاً جاداً قادراً على حمل الأمانة.

الخطبة الثانية

إذا أردنا أن نعالج الكسل فلا يعالج الكسل بالكلام، وإنما يعالج بالعمل والتخطيط، والتخطيط هو أمر أساسي في هذا الدين والتنظيم ركن ركين من هذا الدين، فصلواتنا كم هي منظمة، أداؤها قبل موعدها بدقيقة لا تقبل الصلاة، وأداؤها بدقيقة بعد انتهاء وقتها تعتبر قضاء، هذا كله لتعليمنا، ولنعود أنفسنا على التنظيم والتخطيط وعلى العمل وعلى أن لا نتهاون في أي شيء وعلى المبادرة، والله سبحانه وتعالى وصف أهل الجنة الذين يستحقون الفردوس بقوله ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ  ) يسبقون الخيرات ويسبقون الآخرين وهذا هو المطلوب في كل الامور.

و لو ما كان إخواننا في غزة وهم قلة وفي مساحة صغيرة أقل من 400  كم، فلو ما كان هؤلاء الشباب المجاهدون الأبطال جادين بهذه الجدية التي فاقت كل تصورات الإنسان كأنها معجزة بل هي كرامة أن يقابلوا هذا العدو دون كلل ولا ملل ودون يأس ولا قنوط، قوة العدو التي هي أكبر قوة عسكرية بعد أمريكا وحلف الناتو، والتي أسقطت كل الجيوش العربية في ست ساعات في 1967، لم تستطع هذه القوة أن تهزم هؤلاء الشباب خلال 51 يوماً ولا أي شيء، وذلك يرجع إلى إيمان هؤلاء الشباب بالله أولاً، وجديتهم ثانياً، فهؤلاء بقوا في النفق أياماً وعاشوا على التمر وأكرمهم الله داخل النفق بالماء، جديتهم في التحدي والتصنيع رغم قلة الموارد، فلم يعرفوا الكلل ولا النوم، وهكذا تنصع الرجال، ولو كانت الأمة هكذا فهل يستطيع الأعداء أن يعملوا فينا ما يفعلون .

مشاكل أمتنا الإسلامية اليوم ترجع إلى عدم الأخذ بالأسباب، فما حدث في العراق وسوريا يعود إلى هذا الجانب لذلك الجدية ومحاربة الكسل جزء مهم من عقيدتنا ومن إيماننا وإسلامنا.


شارك هذه المادة