قضايا ومسائل تُثار عن الأُضحية من نقلها إلى البلاد الأخرى ، ومن التشدد بالنسبة للمضحي

المسألة الأولى : التعريف بالأضحية الصحيحة :
 الأضحية هي ما يُذبح من بهيمة الأنعام الغنم ، والمعز ، والبقر ، والإبل ، بقصد التقرب إلى الله تعالى في عيد الأضحى ، وأيام التشريق الثلاثة ، وتكفي الشاة الواحدة  والمعزة الواحدة لشخص واحد ، وأما البقر والإبل فتكفي الواحدة منهما لسبعة أشخاص.
 ويشترط في الأضحية أن تكون سليمة غير معيبة عيباً مؤثراً في اللحم ، أو الشكل ، ولا يضر كونها مقطوعة الإلية على الراجح ، ولا يضر كونها مقطوعة الإلية ، أو خصيّاً.
ولذلك لا تجوز الأضحية بالعوراء البيّن عورها ، ولا بالمريضة البيّن مرضها ، ولا بالعرجاء البيّن عرجها ، ولا الهزيلة التي ليس لها لحم ، ولا يجوز أن يعطى الجزار شيئاً منها في مقابل عمله ( أي الأجرة ) ولا بيع شيء منها لا لحمها ولا جلدها .
 فالمطلوب من المسلم أن يختار الأفضل من حيث السمنة وكثرة اللحم ، والبعد عن أي عيب ، وذلك لقوله تعالى : ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) [الحج : 32] .
 
المسألة الثانية : حكم الأضحية :
 إن الراجح الذي تدعمه الأدلة من الكتاب والسنة هو أن حكم الأضحية أنها سنة مؤكدة ، وليست واجبة لا على الحاج ، ولا على غيره ، والدليل على سنيّتها قوله تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر : 2] حيث فسره ابن عباس وغيره بالأضحية ، ولا يقال : إن الأمر حقيقة في الوجود ، وذلك لأن كون الأمر حقيقة في الوجوب محل خلاف ، والراجح أنه لمجرد الطلب ، ثم القرائن تحدد كونه للوجوب ، أو الندب ، بل للإرشاد ، أو الإباحة ، بالاضافة إلى أن لفظ (وَانْحَرْ ) ليس نصاً في الأضحية بل يمكن أن يراد به نحر الهدي ، كما أن السورة مكية.
 ويدل على عدم وجوبها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم ، ومحل الشاهد قوله صلى الله عليه وسلم : ( وأراد ) حيث يدل على الخيار .
 وهناك أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الأضحية وفضلها ، وعلى ذلك الإجماع ، كما قال ابن قدامة في المغني (13/360) ط. دار عالم الكتب.
 ولكن الأضحية أفضل من الصدقة العامة ، وقال بعض أهل العلم أن الصدقة بقيمتها أفضل ، وهذا مروي عن عائشة رضي الله عنها ، والأول أرجح .

المسألة الثالثة : وقت ذبح الأضحية :
 وقت ذبح الأضحية يوم العاشر من ذي الحجة من بعد صلاة العيد أو بمقدار مضيّ وقتها إلى غروب اليوم الرابع من العيد أي ( 10 ، 11 ، 12 ، 13 ) من ذي الحجة ، ولا مانع من الذبح ليلاً أو نهاراً في هذه الأيام الأربعة من بعد صلاة العيد ، والأفضل في ذلك ما يحقق مصالح الفقراء.

المسألة الرابعة : توكيل المضحي لغيره :
يجوز توكيل المضحي لغيره ممن يجوز ذبحه في الذبح بالاجماع ، وإن كان الأفضل هو أن يقوم المضحي بذبح أضحيته بنفسه إن كان قادراً .

المسألة الخامسة : صحة الدفع للجمعيات الخيرية :
  وبالتالي فإن ما تقوم به الجمعيات الخيرية من جمْع أثمان الأضاحي ، ثم هي تقوم بذبحها من خلال فروعها في البلاد المحتاجة أمر مشروع بالاجماع ، لا يجوز الاعتراض عليه أو الشك فيه ما دامت الجمعية ثقة معروفة بحُسن التنفيذ .

المسألة السادسة : أضحية واحدة لكل أهل بيت :
 تكفي أضحية واحدة لكل أهل بيت واحد حيث روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكبش ليضحّي به ، فأضجعه ثم قال : ( بسم الله ، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ) ثم ذبحه ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحّى عن أمته بكبش . رواه أبو داودد وسكت عنه ، وابن ماجه .
ولكن لمن هو قادر فالأفضل أن يكثر من الأضاحي

المسألة السابعة : مقاصد الشريعة من الأضحية :
للأضحية مقاصد كثيرة وحِكم متنوعة وفوائد عظيمة من أهمها :
(1) تحقيق العبودية لله تعالى في مجال المال ، وتعظيم شعائره ، فالأضحية عبادة مالية لله تعالى ، ووسيلة للتقرب إلى الله تعالى من خلال صرف جزء من الأموال لتنفيذ أوامر الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم .
(2) أداء الشكر على نعمة المال ، ولذلك لا يشرع إلاّ لمن له مال وقدرة على الأضحية .
(3) أداء حق الاخوة الايمانية والمساهمة في التكافل الاجتماعي المطلوب تحقيقه بكل الوسائل الممكنة.
(4) إدخال السرور في قلوب الفقراء حتى يحسّوا بفرحة العيد ويشاركوا غيرهم فيها.
(5) التوسيع على النفس والعيال في العيد .
(6) إحياء سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وإبقاء هذه السنّة في الذاكرة والتطبيق ، حيث أراد أن يضحي بابنه إسماعيل عليه السلام ، ولكن الله تعالى فداه بذبح عظيم .
وفي ذلك قدوة للكبار والشباب والنساء وتربية على طاعة الله تعالى بأغلى ما لدى الإنسان .

المسألة الثامنة : كيفية تقسيم الأضحية :
 يقسم المضحي الأضحية على الفقراء والمحتاجين ، ويترك جزءاً منها لنفسه وأهله ، ولو قسمها أثلاثاً فلا حرج حيث ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أنه كان يترك لنفسه وأهله الثلث ، ويطعم من أراد الثلث ، ويتصدق على المساكين بالثلث  ).

المسألة التاسعة : إعطاء جزء منها لغير المسلمين  :
 ويجوز أن يعطى جزءاً منها لغير المسلمين ممن يعيش في بلادنا من الأصدقاء ، والخدم والسواق والعمال ونحوهم.

المسألة العاشرة : هلاك الأضحية بعد شرائها أو تعيينها :
(أ) إذا اشترى المضحي الأضحية ثم هلكت قبل وقتها فلا شيء عليه إلاّ إذا كانت الأضحية نذراً وهلكت بسبب منه من التعدي أو التقصير ، ففي هذه الحالة يجب عليه شراء مثلها ثم يضحي بها.
(ب) أما إذا تعيبت بعد شرائها فلا حرج من أن يضحي بها ، لأنه معذور شرعاً .
(ج) أما إذا ولدت بعد تعيينها فيذبح معها ولدها .


المسألة الحادية عشرة : الأضحية عن الغير :
(أ) الأضحية عن الميت :
(1) إذا أراد أن يضحي عن الميت الذي وصّى بها فهذا جائز حتى ولو لم يترك مالاً ، أما لو ترك مالاً فيجب تنفيذها من ثلث أمواله بالاتفاق .
(2) أما إذا لم يوص بها فقد أجازه جمهور أهل العلم ولا سيما للوالدين ، ولكن الأفضل في هذه الحالة هو الصدقة التي هي محل اتفاق .

( ب ) الأضحية عن الحيّ :
(1) يجوز أن يضحي عن الحيّ العاجز وعن الوالدين وعن الأهل - كما سبق - وأجاز بعض أهل العلم لغيرهما أيضاً من القادرين ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى عن أهله ، وعن أمته.
(2) والأفضل أن يعطي الغني بعض أضحياته للفقراء ، أو غيرهم حتى لا يحرموا من هذا الأجر ، فقد روى البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قسّم ضحايا بين أصحابه ) وذلك بأن يوزع الغني الحيوانات التي يريد أن يضحي بها على الفقراء أو على غيرهم ليقوموا هم بذبحها وتوزيعها ، وأخذ جزء منها ، وبذلك شاركوا في إقامة شعائر الله تعالى.

المسألة الثانية عشرة : الحيوانات التي تجوز للأضحية وأسنانها :
(1) ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تجزئ الأضحية من غير بهيمة الأنعام وهي : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز .
 وذهب بعض أهل العلم منهم الحسن بن صالح إلى أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة ، والظبي عن واحد ، كما في المغني (13/368)
(2) وأما أسنانها فهي أن الضأن لا بد أن لا يقل سنّه عن ستة أشهر أي : الجذع ، وثني المعز لا بد أن يكمل سنة ، والبقر سنتين أي : مسنة ، والإبل خمس سنوات ودخلت السادسة .

المسألة الثالثة عشرة : سننها وآدابها :
(1) من حيث الحيوان أن يختار الأحسن والأسمن والأفضل والأقرن ، واختلفوا في أن الشاة أفضل من سبع الإبل والبقر ؟ والراجح أن الكبش أفضل من السُّبُع ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى به - كما سبق - وأن يلتزم بآداب الذبح المعروفة.
(2) ومن سنن الأضحية للمضحي ( رجلاً أو امرأة ) أن يمتنع من قصّ شعره ، وقلم أظافره بعدما نوى الأضحية منذ العشر الأوائل من ذي الحجة إلى أن يضحي ، قال ابن قدامة : ( من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً ) ، المغني ( 13/ 362) .
(3) ومن المستحبات تقسيم الأضحية أثلاثاً : ثلث لنفسه وأهله ، وثلث يهدي لمن أراد من الجيران والأصدقاء حتى ولو كانوا أغنياء ، وثلث يوزعه على الفقراء.
(4) ومنها أن يذبحها بنفسه إن أمكن ذلك ، وليس هذا واجباً ولا يؤدي إلى نقصان الأجر ، ويقول عند الذبح : ( بسم الله ،  والله أكبر ، هذا منك ، ولك ، اللهم تقبل مني ، أو من فلان ) أو يقول : ( اللهم هذا عني ، وعن أهل بيتي ) .
(5) ولا يشترط أن يذكر الوكيل اسم الشخص الموكل المضحي ، قال أهل العلم : ( لا نعلم خلافاً في أن النية تجزئ ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن ) ، المغني (13/390) .

المسألة الرابعة عشرة : ما يتعلق بامتناع المضحي عن حلق الشعر ، وقلم الأظافر :
 تثار في كل عام هذه المسألة ، وينشغل بها الناس ، فأود أن أبين هنا مجموعة من الأمور المهمة ، وهي :
(1) لا شك أنه ورد في هذه المسألة حديث صحيح رواه مسلم بسنده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً ) وفي رواية : ( فلا يأخذنّ شعراً ، ولا يقلمن ظفراً ) فهذا الحديث صحيح أخذ بظاهره في الدلالة على الحرمة بعض أهل العلم ، قال ابن قدامة (13/362) : ( وهو قول بعض أصحابنا وحكاه ابن المنذر عن أحمد واسحاق وسعيد بن المسيب ، وقال القاضي وجماعة من أصحابنا : هو مكروه غير محرم - أي كراهة تنزيه - ، وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة : كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ، ثم يبعث بها ، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي ) متفق عليه  ، وقال أبو حنيفة : ( لا يكره ذلك .... ) .
 فهؤلاء العلماء - وهم الجمهور - حملوا حديث أم سلمة رضي الله عنها على كراهة التنزيه أو الاباحة ، لأن النهي وإن كان الظاهر فيه الدلالة على التحريم عند جماعة من العلماء ، لكن هذا ليس محل إجماع ، كما أن القرائن تصرفه عن التحريم إلى غيره ، ومن أهمها حديث عائشة رضي الله عنها الصحيح المتفق عليه ، حيث علق عليه الشافعي فقال : ( فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرأ شيء ببعثه بهديه ، والبعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية ) .
 وهذا هو الذي نرجحه ، لأن الأصل براءة الذمة وأن التحريم لا يثبت إلاّ بدليل صريح صحيح غير مؤول والله أعلم .
(2) هذا الاختلاف في قص الشعر أو حلقه ، وفي تقليم الأظافر فقط ، وليس هناك خلاف فيما عداهما من الطيب ، ومعاشرة الزوجة ونحو ذلك بالنسبة لمن أراد أن يضحي .
(3) هذا الحكم من كون الامساك عن الشعر سنة أو واجباً ، وتركه محرماً أو مكروهاً كراهة تنزيه أو مباحاً خاص بالمضحي نفسه دون أهله ومن يضحي عنه .

المسألة الخامسة عشرة : نقل الأضحية وتوكيل الجمعيات الخيرية :
 إن مما أنعم الله به علينا في قطر بصورة خاصة ، وبلاد الخليج بصورة عامة من الأمن والأمان ووفرة الخير والمال والغنى ، في حين أن أهل بعض البلاد الإسلامية يتضورون جوعاً ، ولا يجدون كسرة خبز ، وبعضهم رأيتهم يقولون لم نتذوق لحماً من عدة أشهر ، ففي ظل مثل هذه الأحوال فإن القول بنقل الأضاحي إلى الفقراء البائسين في سوريا ، وفلسطين ، والعراق ، وأفريقياً ، وبورما ، وكشمير ونحوها من البلاد الإسلامية يكون هو الراجح القوي المتفق مع مقاصد الشريعة ، ولا يتعارض مع أي نص من نصوص الكتاب والسنة ، فقد صدرت فتاوى جماعية بنقل الزكاة وهي الركن الثالث ، وبغيرها ، بالاضافة إلى أن توكيل المضحي لغيره - مثل الجمعية الخيرية الثقة - محل إجماع لدى أهل العلم حسب علمنا ،  وأن ما أثاره بعض المعاصرين من فوات إظهار الشعيرة ونحو ذلك بالنقل غير مسلم ، لأن الشعيرة تقام فعلاً في كل بلد ، والحمد لله ، ولو سلم فإن المسلمين أمة واحدة ، وجسد واحد ، وأن إقامة الشعيرة يتحقق في البلد المنقول إليه ، كما أن النية والتقوى هي الأساس فقال تعالى : (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) [الحج : 37]  ، كما أن من مقاصد الأضحية إطعام الفقراء البائسين فقال سبحانه : ( وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج : 28] ، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع ادخار لحوم الأضاحي لما وجد شدة فاقة الناس ، ولما وجد السعة أجازه .
 ولكن الأفضل لمن هو قادر أن يكتفي بأضحية واحدة داخل بلده لاظهار الشعيرة ، ويقوم هو بنفسه بذبحها ، ويأكل منها ، ويرسل بقية الأضاحي إلى الفقراء البائسين في سوريا ، وفلسطين ونحوهما .

المسألة السادسة عشرة : الأضحية بخروف استرالي ، أو مقطوع الإلية :
 الخروف الاسترالي إذا توافرت فيه الشروط التي ذكرناه - كما سبق - تجوز الأضحية به كما تجوز بغيره ، ولا سيما إذا كان عدم وجود إليته ناتجاً عن طبيعته دون تدخل من البشر كما تجوز الأضحية بالمعز وليس له إلية .
 وأما إذا كانت له إلية ثم قطعت فلا يضر ذلك عند الراجح من أقوال أهل العلم ، لأن ذلك لا يؤثر في اللحم ، كما لا يؤثر الإخصاء في اللحم فتجوز الأضحية بالحيوان الخصّي أيضاً .


المسألة السابعة عشرة : فوات وقت الأضحية :
  إذا فات وقت الأضحية المعينة وهي الأيام الأربعة (10 ، 11 ، 12 ، 13 ) من شهر ذي الحجة من بعد صلاة العيد أو وقتها ، فقد فاتت الأضحية ، وعليه أن يذبحها بعد أيام العيد وتكون حينئذٍ صدقة .

هذه بعض المسائل المهمة التي أردت بيانها ، وقصدي من ذلك سعة الشريعة ، وأهمية المقاصد والتقوى وضرورة تقديمهما على الشكل والمبنى ، وأهمية العناية القصوى بالكليات مع رعاية الجزئيات والوسائل ، ولكن مع ملاحظة وزن كل واحدة ( فأعطوا كل ذي حق حقه ) بالكامل.

وكل عام والأمة الإسلامية جمعاء بخير
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



                                    كتبه
أ.د. علي محيى الدين القره داغي

شارك هذه المادة