سورة العصر توجهنا نحو الزمن ثم إلى الإيمان الشامل القائم على الأخلاق والسلوك ومن ثم على العمل الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم

ايها الإخوة المؤمنون

لقد تحدثنا في الخطبة السابقة عن سورة العصر، هذه السورة العظيمة التي قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله: "لو ما أنزل الله تعالى حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، وكذلك ورد - كما رواه الطبراني -  أنه إذا التقى رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أحدهما يفارق الآخر إلا أن قرأ عليه سورة العصر.

ويذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير كلام الشافعي فقال هذا الكلام النفيس يتضمن أمراً مهما لأن هذا الدين يقوم على أربع مراتب أساسية أولاً: معرفة الحق. وثانياً: العمل بالحق. وثالثاً: تعلم الحق وتعليمه. ورابعاً: الصبر على الإيمان وعلى العمل وعلى التعلم وعلى التعليم.

هذه المراتب الأربع توجد في هذه السورة فقوله سبحانه وتعالى ( إلا الذين آمنوا) فكلمة "آمنوا " أي عرفوا الحق، و "عملوا الصالحات" قاموا بكل الأعمال الصالحة، "وتواصوا بالحق" أي أنهم تعلموا وعلّموا الناس الحق، "وتواصوا بالصبر" أي الصبر على الإيمان ومقتضياته، والصبر على العمل وكذلك الصبر على التعلم والصبر على التعليم.

ومن هنا إن المنهج المتكامل يوجد تماماً في هذه السورة، وهذا من إعجاز القرآن، فسورة أقل من ثلاثة أسطر يتضمن منهجاً متكاملاً لهذه الأمة، حيث يتضمن أول ما يتضمن في بداية طريق الأمة نحو النجاح والفلاح والنهضة والحضارة والتقدم هو احترام الوقت، واحترام الزمن، زمن الفرد والجماعة، وزمن الدولة والأمة ، وكل ذلك متضمن في هذه الكلمة التي أقسم الله بها (والعصر).

فاحترام الوقت بداية الطريق وأول المنهج  ثم السير على هذا الطريق وهو الأمر الثاني ألا وهو: الإيمان بالله تعالى، وبكتبه، وملائكته، ورسله وما أمرالله به، وما نهى الله عنه، أي الإيمان بكل ما أنزل الله.

 والإيمان كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فإذا الإيمان يشمل كل الجوانب الإيجابية ، ويربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وهو مفجر الطاقات، وهو الذي يجعل الإنسان لا يحس بالتعب ولا بالألم، لأنه يأمل أن ينال رضاء الله سبحانه وتعالى، وهو مستعد أن يضحي بنفسه في سبيل الله فكيف لا يستطيع أن يبذل كل طاقته في سبيل الله.

وهنا أصاب الأمةَ الخلل، حيث نجد هذه القوة موجودة في بعض الميادين وبدون ضوابط، ولكن هذه القوة لا تجدها في ميادين أخرى التي يريدها الله ليتحقق التوازن. فبعض الشباب مستعدون لتفجير أنفسهم، وفي معظمهم طيبون ولكن غرّر بهم، ولم يوضح لهم المنهج الصحيح المعتدل، بينما حينما نريد أن ندعو، بل دعونا الشباب أن ينضموا إلى قافلة الدعوة في أفريقيا وفي أماكن أخرى فلا يلتف إلينا، ولا يأتي إلينا إلا أفراد أقل من عدد الأصابع، ورغم قلة العدد إلا أن آثاره بالغة.

 فقد ذهب مجموعة من الشباب إلى قبيلة ماساي وهي قبيلة وثنية فعاشوا معهم، وتكفل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مصاريفهم، فأسلم ملك ماساي الذي يقود 10 ملاين شخص، وأسلم معه 15000 شخص. ثم جاءنا هذا الملك قبل فترة وقال : إن أمري نافذ عليهم ولكن هل أنتم المؤمنون تستطيعون أن توفروا لهم المدارس لتعليمهم دين الإسلام. ومعظمهم عراة هل تستطيعون أن تمدونا بما يكسوهم "

فلا نجد من يعيننا على ذلك الذي هو المطلوب، ولكن تجد آلاف الشباب يتطوعون للقتل ويقتلون من؟ يقتلون أهل السنة! ويقتلون العلماء! ويضعفون أهل السنة في العراق، ويقاتلون المجاهدين إخوانهم من بقية الألوية المجاهدين ظناً منهم أن ذلك ينجيهم، فتوجيه هذه القوة بالاتجاه الخطأ نجد له آثاراً خطيرة جداً.

لذلك الأمة تحتاج إلى إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقوم على الصبر والتحمل الذي يقوم بالحكمة (وأنزل عليكم الكتاب والحكمة) .

إذاً الإيمان يجب أن يكون مرتبطاً بالعمل الصالح - وهو الأمر الثالث - مرتبطاً بالسلوكيات الجميلة وبالرحمة وقد ربط الله تمكين الأمة في الأرض وبين الرحمة (  وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، فالشرط الأساسي أن يكون الإنسان عبداً لله وليس عبداً لأهوائه وعواطفه، فمجرد العاطفة بإقامة الدولة الإسلامية لا يغني من الجوع، لذلك لم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يطالب بالدولة في مكة المكرمة وإنما دعا إلى الصلاة والتربية. أما في المدينة فأقام دولة الإسلام على الرحمة، فهذا المنافق يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إنكم الأذل ويسمي نفسه بالأعز ولا يقتله الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه.

اليوم شّوه صورة الإسلام، وخدمنا اليمين المتطرف في الغرب  وهم يحاولون إحياء النعرات الصليبية وإحياء طرد المسلمين في أوروبا بعد أن كثر عدد المسلمين هناك، فلم يكن قبل مئة سنة مسجد في أوروبا ولا في أمركيا والآن تتوافر المساجد بكثرة في أوروبا وأمريكا . فهل نضيع هذا الفتح ؟ وتتسق تصرفاتنا مع ما يطلبه اليمين المتطرف والصهاينة . عَمل الصهاينة على كره المسلمين في الغرب بعد أن كان الكره متوجهاً ضدهم، فقد عُملت إحصائية أن 67% من المواطنين الأوروبيين يكرهون الصهاينة واليهود فحولوا هذه الكراهية إلى الإسلام والمسلمين بتصرفاتنا الخاطئة في كل مكان.

ما الذي استفدنا بضرب البرجين وتفجير القطارات وتفجير الأماكن في الدول الأوروبية أو العملية الإرهابية الآن في تونس؟

حسب شريعتنا الغراء كل من يدخل في بلادنا حتى بتأشيرة إنسان واحد وبنص الحديث النبوي الشريف فما بالك بتأشيرة الدولة وتعطى لها الأمان يدخلون في أمانتنا وذمتنا فمن أغفل ذمة الله فقد برئت منه ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولو صرفت هذه الأموال والجهد الذي صرف في التفجير والتقتيل من 2001 إلى الآن إلى الدعوة إلى الله، والله لدخلت في الإسلام الملايين. لذا لابد أن يوجه الإيمان إلى الدعوة وإلى الحضارة وإلى البناء إن أردنا التمكين لأن التمكين يكون بالعمل الصالح وأن الارض يرثها عباد الله الصالحون، الصالحون لحمل الأمانة ولتحقيق العدل وللاستخلاف ولتعمير الأرض ولا بد أن يكون كل ذلك مع الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وليس للمسلمين فقط وإنما لجميع العالم من الإنسان والحيوان والبيئة.

هذا ما تؤكد عليه سورة العصر تريد أن توجهنا نحو الزمن ثم إلى الإيمان الشامل القائم على الأخلاق والسلوك ومن ثم على العمل الصالح الذي لا يخالف شرع الله أولاً ثم يكون العمل صالحاً لوقته صالحاً للأمة صالحاً للفرد لذلك كلمة الصالح هنا تشمل عدة عناصر أساسية منها أن يكون العمل متقناً ومبدعاً لأن ابتلاءنا وامتحاننا بينا وبين غيرنا ليس بالعمل العادي ولا يمكن أن نغلب الآخر بالعمل العادي لأنهم أيضاً يعملون، بالعمل الأحسن والمتقن في كل المجالات، وهذا ما بينه القرآن الكريم في 20 آية منها (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) أي أفضل عملاً والعمل هنا نكرة أي عمل اليوم غير عمل الغد والأحسن اليوم غير أحسن الغد

والأمر الرابع في سورة العصر من خلال (وتواصوا بالحق): الإحساس بالمسؤولية، المسؤولية عن النفس والأهل وعن المجتمع جميعاً وأي كافر يموت ولا تصل إليه الدعوة فكلنا مقصرون في عدم إسلامه مقصرون في إيصال الواجب بل أوصلناه مشوهاً وبطريقة غير صحيحة.

فقد ذكر لي أحد الدعاة في أمريكا بأنه وفق في إسلام سجين خطير حسب ما صنفوه وكان رجلاً ضخماً وأفرج عنه بعد أن حسنت تصرفاته وغاب عني لفترة ثم عاد وهو يعاتبني بشدة على أننا لا نقوم بواجب الدعوة  وعلى عدم إيصال الدعوة إليه مبكراً حتى يستطيع إيصال الدعوة إلى أمه قبل وفاتها، ويحملني مسؤولية وفاة أمها على دينها قبل أن يفرج عنه رغم إسلام والده وإخوانه على يديه.

وكلمة (تواصوا) جملة فعلية والجملة الفعلية تدل على التجدد وإن التوصية تكون في كل لحظة وفي كل يوم ثم إنها فعل ماض ومتحقق فيجب أن يتحقق وإلا لن يتحقق الإيمان الحقيقي ثم إنه واجب الجميع وليس واجب العلماء فقط وكل بقدره (بلغوا عني ولو آية ) فالدعوة فريضة على جميع المسلمين ولكن الفرق بين العلماء والدعاة أن الدعاة يدعون ولكن لا يفتون أما العلماء الفقهاء المتخصصون هؤلاء هم الذين يفتون فما عدا الفتوى فالدعوة واجب على الجميع فرداً وجماعة.

وكلمة "الحق" يشمل الإسلام، ويشمل العدل، وحق الإنسان وكرامته، وكل ما هو حق.

ثم جاءت كلمة "وتواصوا" بصيغة المشاركة لباب التفاعل وهذه الصيغة يدل على المساواة أي أن وصيتي لك مثل توصيتك لي فلا فرق بين كبير وصغير في التوصية وليس هناك شخص أكبر من أن ينصح وأن يوصيه أو يوصى عليه وليس هناك شخص أصغر من أن يوصي ( الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، قال : لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم) فالجميع ينصحون والجميع يتواصون .

والأمر الخامس أن تتحول الأمة إلى حركة دافئة منقذة غير قابلة للظلم والباطل وإنهاك الحرمات بل يتواصون بالحق.

والأمر السادس هو عملية أن يكون هذا الإحساس جماهيرياً أي إنشاء المؤسسات الشعبية والجماهيرية للدفاع عن الحق، فلا ننتظر من الحكومة أن تنشئ المساجد أو تعين الدعاة بل كل منا داعية بالحكمة والموعظة الحسنة كخلية النحل في المتابعة والمثابرة.

والأمر الأخير هو أن يصاحب كل ذلك الصبر (وتواصوا بالصبر) وهذه الجملة أيضاً جملة فعلية للتجديد وفعل ماض متحققاً لا يعتمد على المستقبل ويدل على الحركة الجماهيرية الدائبة والمسؤولية الجماعية في تحمل الصبر على الإيمان ومقتضياته والصبر على ترك المحرمات والصبر على الشهوات والصبر على التعلم وتعليم الآخرين.


الخطبة الثانية

أدعوكم إلى ترطيب لسانكم بالذكر والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وبالدعاء لإخوانكم المضطهدين المشردين من ديارهم ولا سيما في سوريا وقد مرّت أربع سنوات على هذه المحنة وليست هناك مأساة أكبر من هذه المأساة وما فعل النظام الظالم الجبار بالسوريين والسوريات لم تفعله الصهاينة خلال خمسين سنة بالشعب الفلسطيني فقد تجاوز القتل 300 ألف شخص والتدمير بالآلاف من البيوت والمساجد و9ملايين مشرد في الداخل والخارج والآلاف قتلوا داخل السجون وانتهتك أعراض المئات ومات الكثير بسبب البرد، فادعوا لإخوانكم ومدوا يد الخير لإخوانكم فهذا واجب علينا ومن أدنى الواجبات.

وإخوانكم السنة في العراق يطردون ويصفون من الطرفين، داعش يدخل على قرى أهل السنة ويقتل منهم باتهامات باطلة ثم يتركون المدينة ليدخل الحشد الشعبي الطائفي وعصائب أهل الباطل فيقتلون ويبيدون إخوانكم من أهل السنة وحتى الآن أكثر من مليوني شخص من أهل السنة وغيرها موجودون في منطقة صغيرة وهي إقليم كوردستان ومن دون أي معونة إلا مساعدات ترسل من دولة قطر  والأمم المتحدة.

وإخوانكم في غزة العزة مضى عام على العدوان الإسرائيلي ولم تصلهم المعونات لبناء ما دمرته الصهاينة إلا ما أرسل من دولة قطر فجزاهم الله خيراً.

وإخوانكم في مصر يعذبون ويقتلون ويسجنون والمحاكم وأحكام ظالمة حتى على البنات الصغار والتهمة مشاركة المظاهرات وإبداء رأيها وهو حق مشروع. اللهم أذل الطواغيت والظلمة. 


شارك هذه المادة