الحمد لله أن دخلنا في الإسلام قبل أن نرى أحوال أمة الإسلام

أيها الإخوة المؤمون

أبدأ اليوم بقصة على غير عادتي أن أبدأ بها الخطبة، وذلك لأن هذه القصة تلخص لنا الكثير والكثير مما نريد أن نقوله ، هذه القصة هي أنني رأيت ثلاثة أشخاص من العلماء قد أسلموا وجاؤوا إلى الحج عام 1975م رأيناهم في مِنى، وكان كبيرهم محامياً كبيراً ودخل في الإسلام، وألقى محاضرة، لا تزال هذه المحاضرة لها صداها في نفسي وفي ذاكرتي، ولا سيما القول الذي ختم به المحاضرة.

 قال في بداية المحاضرة نحن في الغرب نحافظ على مجموعة من القيم الأخلاقية العملية وليس الدينية، لعدة أسباب منها لأجل المصلحة، ومنها القانون الذي ينظم هذه المصلحة ويرتب عليها المسؤولية والجزاءات، ثم بعد ذلك من كان لديه ضمير أيضاً يؤيده هذا الضمير، فثلاثة أشياء تدفعنا إلى ثلاثة أشياء في غاية من الأهمية.

فنحن في الغرب نحافظ على الوعد لأن أصحاب المهن إذا لم يفوا بوعودهم ستسقط سمعتهم وحينئذ لا يتعامل معهم الآخرون، بالإضافة إلى المسؤولية القانونية، كذلك نحن نحافظ في الغرب على النظافة لأن النظافة تحقق المصالح وتدرأ المفاسد والأمراض وغير ذلك، وكذلك نحن نحافظ على المسؤولية، فنحن في الغرب نحافظ على أن يكون الشخص المسؤول محافظاً على مسؤوليته لما يأتي :

أولاً : إن كان له ضمير فضميره يؤنبه، وثانياً: مصلحته حتى يختار مرة ثانية لا سيما عندنا الانتخابات وكل أربع سنوات بمثابة امتحان فإذا لم يكن النائب أو الوزير مسؤولاً عن أفعاله فلن ينتخب ولن يختاره المسؤول الأول، وثالثاً: المساءلة القانونية فيما قصّر، فقوانينا لا ترحم أي شخص مهما كان ومهما كانت القضية صغيرة، فالقانون يسأله والبرلمان يُسائله .

هذه هي الأمور- والكلام له- التي جعلت المجتمع الغربي مجتمعاً متقدماً ومتطوراً وقادراً على الإبداع في مجال الصناعات والاختراعات.

وحينما قرأنا القرآن – والكلام له- وجدنا أن هذا القرآن الكريم ومعه السنة النبوية المشرفة في هذه المجالات الثلاثة أبدعا فيها إبداعاً عظيماً لم نشهد هذا الإبداع لا في قانون ولا في نظام ولا في دين ولا في مجتمع. فعلى سبيل المثال: إن الوعد جزء من الإيمان في هذا الدين وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ).

 والقرآن الكريم ركز كثيراً على الحفاظ على العقود والرسول صلى الله عليه وسلم حافظ على وعوده في أشد وأخطر الأماكن، ففي غزوة البدر كان عدد الصحابة قليلاً وعدد المشركين من قريش كثيراً والصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أتوا لأجل قضية القافلة ولم يكونوا مستعدين للقتال وإنما فوجئوا بالقتال، وأثناء ذلك جاء شابان قويان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالا يا رسول الله نحن أتينا من هذا الطريق وأخذتنا قريش وحاولنا معهم أن يفكّوا أسرنا ففكّوا أسرنا بشرط واحد ألا نشارك في هذه الحرب فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت العصيب اذهبا ولا حاجة لنا بكما وقوما بالوفاء بعهديكما.هذا هو الإسلام العظيم في قضية الوعد.

وفي قضية النظافة فقد جعل الله الطهارة من الدين والطهور شطر الإيمان والقرآن الكريم ذكّر المتطهرين مع التوابين (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) .

أما في قضية المسؤولية – والكلام له – لم أجد ديناً شرح هذه المسؤولية وفصّلها تفصيلاً على مستوى الحكام والأسرة والمسؤولين والمجتمع والبيئة مثل دين الإسلام، فدخلنا في الإسلام. وهذه الآية التي أتلوها لكم كان سبباً رئيساً أن أدخل في الإسلام (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) والحديث الذي يتممه (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)

هذه الآية وهذا الحديث قمة المسؤولية، لما استطاع أحد مهما كانت هناك حضارة متقدمة أن تأتي بهذه المسؤولية الشاملة التي تضمنتهما هذه الآية وهذا الحديث النبوي الشريف.

ثم قال الرجل ومعه الاثنان الآخران ولكن حينما جئنا للحج أحببنا أن نمر على عواصم ثلاث باعتبارها عواصم تاريخية القاهرة ودمشق وبغداد ثم التوجه إلى مكة المكرمة وكنّا نقول في أنفسنا كيف تكون حال أمة لديها هذه القوانين ولديها المسؤولية وعندها هذا الدين العظيم في هذا المجالات الثلاث في الوعد والنظافة والمسؤولية.

ولكن بعد أن مررنا بهذه العواصم قلنا الحمد لله  أن دخلنا في الإسلام قبل أن نرى أحوال أمة الإسلام ، هذا ما سمعته ورأيته.

الإسلام في قيمه عظيم ليس في هذه المجالات الثلاث فقط وإنما في كل المجالات لكن اليوم أركز على المسؤولية وأشرح هذا الحديث النبوي الشريف الذي هو بيان لهذه الآية الكريمة التي تلوتها فقد جمعت هذه الآية كل هذه المسؤوليات في دائرة العبودية لله سبحانه وتعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبعد ذلك وبالوالدين إحساناً ، في دائرة العبودية الشاملة وفي دائرة طاعة الله وطاعة رسوله يجب علينا أن نحس بالمسؤولية نحو الأسرة ثم القرابة ثم الجيران والمساكين والمسافرين ومسؤوليتنا عن الخدم والحشم والذين يخدموننا ، كل ذلك شرحه رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المعجز الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) وتعبير الرسول بقضية الراعي ولم يقل حاكم أو زعيم أو مسؤول وإنما مسألة الراعي من الرعاية  وبالمناسبة فإن كل الأنبياء زاولوا مهنة رعاية الحيوانات لأن هذا دليل على رحمته لأن الراعي يسعى ويتعب ويتحمل لأجل أن يصل إلى المرعى في الوقت المناسب  فإذا كانت الرعاية هكذا مع الحيوان فكيف تكون الرعاية مع الإنسان، لذلك سمّاه الرسول راع، فالخليفة راع والحاكم راع والرئيس راع من الرعاية لغوياً، وعملياً: أنهم يرعون مصالح الأمة مثلما يرعون أنفسهم، والذي يرعى مصالح الأمة عليه ثلاثة أشياء بإجماع العلماء عليه أولاً: أن يسعى لتحقيق المصالح والمنافع والطيبات لهم، والثاني: أن يدرأ المفاسد والأضرار والخبائث سواء كانت مادية أو معنوية أو دينية أو أخلاقية، الواجب الثالث: أن ينهض ويرتقي بهم ويفكر بمستقبلهم كما فعل سيدنا عمر حينما فتح العراق والشام ومصر كان بإمكانه أن يوزع الأراضي على أصحابه، ولكنه فكر في الأجيال القادمة كيف يعيشون، وهذا ليس من باب مخالف للتوكل فالتوكل هو الأخذ بالأسباب والذي لا يأخذ بالأسباب متواكل فالصحيح أن نعتمد على الله ثم نعتمد على الأسباب ثانياً .

هذه الأمور الثلاثة من الواجبات التي فرضها الله على كل راع سواء كان حاكماً أو زوجاً أو زوجة أو مسؤولاً أو وزيراً أو له رئاسة على شخص واحد أو حتى على البيئة فعليه أن يحقق الشروط الثلاثة وإلا سيكون مسؤولاً أمام الله تعالى (وقفوهم إنهم مسؤولون) .

فالمسؤولية في الإسلام أولاً دينية تابعة للتقوى والخوف من الله  -أن تعبد الله كأنك تراه - ثم كذلك مصالح تحقق لك المصالح، ثم كذلك قوانين رادعة تمنع هؤلاء الذين تسّول لهم أنفسهم أن يأخذوا المال الحرام أو أن يفسدوا في الأرض تردعهم، ثم المساءلة من خلال وسائل الإعلام وكذلك بقية المسؤوليات، هذا هو الإسلام وليس الإسلام مجرد قشور، بل الإسلام التزام وإبداع وتحقيق للمصالح ودرء للمفاسد وتطوير لكل المجالات ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) والآية تدل على وجود التطوير المستمر حيث نكون أحسن الأمم، ولا يمكن أن يتحقق الأحسنية بالتقليد، وكلما نلبسه ونأكله يأتينا من الخارج، أي أمة تعتمد على الغير ويكون لها ذاتية !

كيف لأمة أكثر من مليار لا تملك شيئاً من القرار بل شخص واحد يقرر مصير بلد مثل سوريا بالاتفاق مع أمريكا أو روسيا، سوريا التي ضحّت بالملايين، كل ذلك ويتحكم فيه شخص واحد يمثل دولة أو دولتين، وعرف فيما بعد أن المنتدب كما في ليبيا رجل مرتشي ودفعت له مبالغ لصالح دولة أخرى،  لا يجوز هذا، بل عيب على الأمة أن تسكت على هذا فالقضية ليست قضية السوريين وحدهم إنما هي قضية الأمة الإسلامية بل تحدٍ للأمة لمشروعها الإسلامي ومشروعها القائم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كيف لقاتل أن يقتل ومن ثم يقرر مصير البلد ! هل رأيتم مثل هذا في أي بلد آخر ! أين المسؤولية ، الأمة مسؤولة أمام هذا، وبعض الدول شاركت في تحمل المسؤولية في سوريا في البداية ويجب أن تتحمل إلى النهاية ولا يجوز تركهم لا شرعاً ولا أدباً ولا عقلاً .

أين المسؤولية في قول وزير العدل في إحدى الدول يقول: إن القوانين تمنعنا وإلا يجب أن يقتل من الفئة الفلانية من 10 الآلاف إلى 400 ألف شخص!! وقد حكموا بهذه القوانين بالإعدام على آلاف المعتقلين 45 ألف شخص، ورغم ذلك يريد أن يقتل 400 ألف شخص وهو وزير العدل !!!

لما سمعت كلام هذا الوزير تذكرت كلام هذا العالم الذي أسلم وقصته قبل 40 سنة من اليوم، قلت سبحان هكذا يفعلون، ووزير العدل في بلادنا يريد قتل الآلاف لكي يشفي غليله!! هل سمعتم أن دولة قائمة على شفاء الغليل !! علماً أن هذه الدولة لها حضارة 7000 سنة وفيها 1400 من الحضارة الإسلامية القائمة على العدل الذي فيه (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) والرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يقف حسب الظاهر مع صحابي جليل اتهم يهودياً نزلت 12 آية تعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم (ولا تكن للخائنين خصيماً) سمى الصحابي بالخائن وأنصف اليهودي .

والمشكلة ليست في شخص واحد لو ما يجد هذا الرجل معه من يعاونه ما يمكن أن يقول هذا الكلام، أو غيره .


الخطبة الثانية:

المسؤولية في الغرب ضمير ومصلحة ويحميها القانون، مساءلة أمام البرلمان، وثواب وعقاب في الدنيا. المسؤولية في الإسلام تقوى ومحاسبة أمام الله تعالى ثم مصلحة، وقانون ومساءلة أمام البرلمان والمجتمع، وثواب وعقاب في الدنيا والآخرة.

المسؤولية في الإسلام مسؤوليات أمام الله وأمام تطبيق شرعه وأعجبني كثيراً اليمين الدستوري الذي سمعته أول أمس أن أحترم الشريعة الإسلامية أن يدخل في القسم والدستور والقوانين والدستور منبثق من شريعة الله تعالى .

ومسؤوليتنا أمام درء المفاسد والمعاصي والذنوب والفساد والفجور والفساد المالي والنفسي وقد سمعت من أحد المسؤولين حينما شجعوا الفساد في إحدى الدول قال نحن نادمون فقد خسرنا أولادنا، وما قيمة البلد فيه آلاف الأبراج وفسد شبابنا ، لهذا يجب أن تكون هناك موازنات، ولا أقول موازنات دينية وإنما موازنات أخلاقية ، لما دخل هتلر فرنسا قال نحن دخلنا فرنسا من خلال فساد شباب فرنسا لم يستطيعوا أن يحاربوا. فالشاب المنشغل بالنساء والخمور كيف يستطيع أن يدافع عن الأمة !

مسؤوليتنا أمام أمتنا، فالوزراء عليهم أن يحققوا الأمور الثلاثة تحقيق المصالح ودرء المفاسد والتطوير والنظر في المستقبل ،

ومسؤولياتنا أمام والدينا وأهلنا وزوجتنا وأبنائنا وكذلك أمام إخواننا المتضورين جوعاً في سوريا الجريحة وقد زادت هذه العواصف الثلجية من مسؤولياتنا وما من أهل عرصة يموت بينهم امرء إلا والله يسألهم وفي رواية إلا برئت منهم ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.



شارك هذه المادة