مصطلح الهجرة باق وخالد وأن الأجر على الهجرة باق إلى يوم القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون إن عظمة الإسلام تكمن في قضايا كثيرة، ومن أهمها أنها خالدة، أن هذا الدين خالد، وأن مبادئه خالدة، وأن شريعته خالدة ، بل إن مصطلحاته التي استعملت في عصر الرسالة أيضا خالدة. ومن هذه المصطالحت التي يظن معظم الناس أنها لم تعد باقية، وأنها كانت خاصة بعصر الرسالة ، مصطلح الهجرة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن بأن هذا المصطلح ايضا خالد، وأنه باق، وأن الأجر على الهجرة أيضا باق إلى يوم القيامة. ولكن الهجرة بمعناها الخاص، بهجر المكان، ومفارقة الوطن، لم تعد قائمة ولكنها تغيرت هذه الكلمة، وتغير هذا المصطلح، إلى هجر آخر، إلى مفارقة أخرى، فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن الهجرة بمعناها المعروف، وهو هجر المكان من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، أو من غير مدينة إلى مدينة أخرى، فقد أنتهى ذلك من خلال فتح مكة، وقال في حديث صحيج (لا هجرة بعد الفتح) ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح لنا آفاقا واسعا وخلودا باقيا لهذا المصطلح وهو: هجر الحال، فبدل أن يكون الهجر لمكان يكون الهجر للأحوال. والمقصود بهجر الأحوال بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح رواه البخاري وغيره حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) والمهاجر هي الكلمة الجديدة ، الكلمة العظيمة، التي أعطاها الرسول معناً جديداً. إذاً كلمة الهجرة باقية وخالدة، والمهاجرون باقون معنا إلى يوم القيامة، ولكن الهجر هنا بدل أن يكون الهجر للمكان يكون الهجر للأحوال ، للصفات، من حال سئ إلى حال حسن، من حال حسن إلى حال أحسن، بحيث يصل الإنسان إلى هجر ما نهى الله عنه. ولكن هذا الهجر بالتأكيد يكون موافقا، فكما أن مفارقة الأوطان صعب كذلك مفارقة الشهوات ايضا صعب، فلذلك هذا الهجر يتجه إلى هذا الهجر الذي فيه صعوبة في نفس الإنسان، فالنفس الإنسانية آمارة بسوء، وتحب الشهوات والملذات وشهوات البطن والفرج والعين والسمع والجوارح ، وحينما تريد أن تكون مهاجرا مثل المهاجرين الذين كانوا مع الرسول يجب أن تهجر هذه الشهوات رغم حبك لها، رغم ميلك إليها، رغم تعودك عليها، فحينما تترك شهوات النفس والقلب إلى الجوانب الإيجابية فإنك مهاجر، فحينما تشجع إليك، وتُجمل إليك النفس هالة شهوانية تتعلق بالمال أو الجنس، أو برؤية أشياء قبيحة ومحرمة، وأنت تحس بلوع من الصعوبة والشدة، وأنت تتركها، فأنت مهاجر حسب الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره. والهجر يشم منه أمر مهم جدا، وهو حينما تتركه لا تعود إليه، وحينما تتركه رغم حرصك ومحبتك وشهوتك أنك تروض نفسك على حب هذا الهجر، وهذه الهجرة فكما كان الصحابة يضحون بأموالهم ووطنهم وأولادهم في سبيل الله فيجب أن تحس بهذه المحبة والشوق وأنت تارك لما نهى الله، وأنت تارك لشهوة النفس والفرج والعين، وشهوة العين: هي رؤية المحرمات والنظر إلى المحرمات، سواء على مستوى الواقع حينما تنظر الإنسان إلى إمرأة محرمة، أو على مستوى الأفلام حينما تنظر إلى أفلام سيئة التي أبتلي بها الأمة داخل بيتها وداخل نقالاتها وجوالاتها، التي تملء بهذه المشاكل فحينما تبتعد عنا فأنت مهاجر. وحينما تكون في مجلس والناس في الغيبة والنميمة، وهي محك المجلس، ومدمرات المجلس، ومن الموبقات، وسمع الإنسان يلتذ بسماع هذا السوء، وأنت تهجرهم بالنصح أو تتركهم فأنت مهاجر، وأجرك كأجر المهاجرين مع النبي صلى الله عليه وسلم. الجوارح أيضا لها شهواتها، اللسان له شهواته من الغيبة والكذب والسب والشتيمة، وإظهار القوة والعصبية، والسيطرة على المستضعفين من العمال بين يديك، وتنفخ في نفسك كأنك فرعون، هذه شهوة خطيرة جدا شهوة إثبات نفسك أمام المستضعفين وحينما تتواضع معهم وتترك هذه الشهوة فإنك مهاجر في سبيل الله وحينما تتصادم المصالح، مصلحتك ومصلحة من معك، فتهضم حقوقهم ولا تفي بعهودك معهم رغم أن الله أمرنا بذلك، وأنت تستغل وجودك وتستطيع التخلص ممن معك ولكنك ترجع إلى الله وتترك كل ذلك فإنك مهاجر في سبيل الله. وهكذا الجوارح التي تحب أن تبسط وأن تضرب والأرجل تحب أن تمشي في الحرام سواء في المال أو الجنس، وهكذا يزين الشيطان للإنسان، فحينما تقف في نفسك وتتذكر الآخرة وأنت قادر على ذلك، ولا تفعل المحرمات، وتبتعد عن ذلك، وتهجر ما نهى الله عنك من الإعتداء والإيذاء، فإنك مهاجر في سبيل الله. المهاجر معناه خالد وحي كعادة الإسلام، والإسلام حي ومتحرك وكذلك مصطلحاته وأحكامه وأركانه، ولابد أن تكون حية في نفوسنا (استجيوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) يجعلكم أحياء وتحسون ولا يجعلكم من الغافلين والخاملين الذين يفعلون المنكرات ثم يعودون إليها، فما قيمة ذلك، وخاصة يتكرر منهم ذلك، إنما التوبة حينما تتوب وتهجر ما نهى الله، وليست التوبة حينما يكون الإنسان ضعيفا غير قادر وإنما حينما تكون قويا ولذلك أفضل الصدقات حينما أنت تكون شاباً ولك أموال وتطمع في المستقبل ومع ذلك تتصدق في سبيل الله. فالمهاجر يشمل كل حركات الإنسان ، يشمل قلب الإنسان أيضا فما في قلبك من الحقد تهجره إلى الجب، وما في قلبك من الكراهية تحوله إلى المحبة والولاء، وما في قلبك من حسد تحوله وتهجره إلى الدعاء للناس وتفرح أن تحب له ما تحب لنفسك وأن تكره له ما تكره لنفسك ، هذا الميزان العظيم لو طبقناه لما احتجنا إلى شئ: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، ومسألة الإيثار مسألة خاصة بخيار الناس، بالنبيين والصديقين، يكتفى بأنك تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره للناس ما تكره لنفسك. إذا المهاجر هجرة القلب من المعاصي وأمراض القلب وهي كثيرة إلى تصحيح القلب، وأن يكون قلبك سليما كما أراده الله، وكما ربط الله النجاة بهذا القلب، أن يهجر أمراض القلب إلى مقابلها، من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكراهية إلى المحبة ومن الحسد إلى الدعاء والفرح للآخرين . (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) والقلب السليم هو القلب المهاجر الذي هجر ما نهى الله عنه. والعقل الذي أكرمنا الله به، أن يهجر من المكر والخديعة والتدبير السئ إلى العمل الطيب والتخطيط الجيد، وإلى أن يعيش لله وأن يعيش للمسلمين. وحينما تتوافر هذه المعاني من هجر القلوب والعقول والنفوس مما نهى الله عنه في هذه الأمور إلى ما أمر الله به، وهجر الشهوات المحرمة وما تقتضيه وما تريده جوارح الإنسان ولسان الإنسان إلى ما أمر الله فإنك مهاجر إلى الله والمهاجر كما في الحديث من هجر ما نهى الله عنه. الخطبة الثانية لنهجر الكلمات القبيحة إلى الكلمات التي فيها ذكر الله والصلاة على رسول الله، فكلما ههمت بكلمات المحرمة أو المكروهة حولها إلى ذكر الله والصلاة على رسول الله المهاجر هو أيضا أن يترك شهوات المال من جانبين: من جانب المحرمات، ومن جانب البخل. وأن يترك البخل إلى السخاء، وأن نكون مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فحينما تأتيهم الأزمات كانوا يتسارعون إلى التبرع فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه تصدق بكل ماله، فماذا تركت لأهلك وأولادك، فيقول تركت لهم الله والرسول ، وعمر يأتي بنصف ماله، والصحابة يتبرعون مما أعطاهم الله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. واليوم يزداد الجرح، وهكذا يراد لهذه الأمة، لأننا أمة نفقد البوصلة وليس لنا مشروع وضائعيين، وإلا فمليار وسبعمائة نسمة هل يكون هذا حالهم ، ومن بلادنا تستباح! أمريكا تعرض على بعض البلاد الشرقية ملايين دولارات ليكون لها موقع قدم، فلا يسمحون بذلك، وبلادنا تأتي الدول وتحتلها ونحن في بعض الإحيان ندفع ثمنها. لذا يجب أن نهجر هذا الولاء إلى الولاء الحقيقي للمسلمين، إلى أن يكون لنا مشروعنا الحقيقي وإلا سنزداد سوءً. وأنظروا إلى جروحنا القديمة والجديدة، فبعد أن كان لنا جرح فلسطين، اليوم تعدد الجراح، بل بعض الجراح فاقت جراج الفلسطين، كما يحدث في سوريا، واليوم في الموصل وفي العراق وفي ليبيا . لذلك علينا مسؤولية كبيرة، ومسؤولية كبرى في الجانب الإقتصادي والإغاثي، فأهل الموصل تصل تعداهد إلى أكثر من ثلاثة ملايين فلو خرج نصفهم ونزحو إلى الإقليم فهل أعدت لهم ما يحتاجونه! والإقليم أصلا يعاني من مشاكل إقتصادية، لا تتحمل هذه الكمية من النازحين. وأهل الموصل لهم فضل في تاريخنا الإسلامي، فكان منهم النواة لجيش نور الدين الزنكي الذي حارب بهم الصليبين، وكان أحد أمرائهم (الشيخ حسين) والذي أتى من ماردين، دوّخ الصليبين، وأخرجهم في كثير من المناطق، وهيأ الأجواء لنور الدين الزنكي وصلاح الدين الايوبي. بلادنا لهم تاريخ وكلها تاريخ وكلهم لهم حق علينا فعلينا أن نقوم بواجبنا وكل في مكانه.

شارك هذه المادة