أهمية تربية الفرد على التأني وعدم التعجل في اتخاذ القرارات

أيها لإخوة المؤمنون

أراد الله تعالى لهذه الأمة أن تتربى على مجموعة من القيم والعقائد والمبادئ والأسس العظيمة، حتى تكون قادرة على خلافة الأرض، ومؤهلة للتمكين في الأرض، ولتكون هي الأمة الوحيدة التي تشهد على الأمم السابقة جميعها؛ إذ هي الأمة الوحيدة التي تلتزم بقيمة العدل بين الناس كلهم.

وقد أثبتت التجارب أن الأمم التي تدع الحضارة والتقدم لم تستطع أن تعدل بين أمم الأرض حين أصابها ما يعكر جو سعادتها، ويكدر رفاهيتها، كما هو المشاهد في العالم الغربي، فكل قيم الديمقراطية والعدل والشفافية - وغيرها من القيم التي تنادي أوربا بها- ضربت جميعها بعرض الحائض من أجل الإرهاب ومحاربته، فعدد الذين آذوا أوربا لا يتجاوز المائة الواحدة أو الألف الواحد، رغم ذلك عممت الأمم الأوربية حكمها على الجميع، حين وصفت الأمة التي تعدادها مليار وسبعمائة مليون نسمة بأنها أمة إرهابية، وعلى حساب ذلك نجحت أحزاب يمينية متطرفة.

كل ذلك يدل على أن البشرية بحاجة إلى أمة ربانية، لا تأخذ تشريعها من الأرض، ولا من الإنسان؛ لأن طبيعة الإنسان النقص، خاصة إذا كانت هذه الطبيعة بعيدة عن جوهر العقل، ونور الوحي والشريعة.

ولقد تضافرت النصوص على ربط التشريع بالوحي؛ لأن الذي خلق النفس يعلم تماماً ما يصلح لها وما يصلحها، وهو الذي رسم لها من خلال الوحي والتشريع طريق الحضارة والتقدم.

ولقد جاءت تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته خلال ثلاث وعشرين سنة على كل ما يحقق الخير لها وللناس جميعاً من خلال مجموعة عظيمة من القيم التربوية، والأخلاق العظيمة النبيلة الربانية التي تحفظ السلوك وترقى بالإنسان، ولا تنزل إلى مستوى الأرض، ولا تنزل إلى مستوى الشهوات النفسية والرغائب، بل هي بعيد كل البعد عن الهوى، باقية في دائرة الأنوار العلوية.

واليوم سأتحدث عن جزئية بسيطة من هذه الجزئيات، التي ركز عليها القرآن الكريم تركيزاً شديداً لعظيم دورها في بناء الفرد والجماعة والمجتمع والأمة، تلكم الجزئية هي قضية التأني والتؤدة، وعدم التعجل والتسرع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتصرفات الدنيوية.

وقد فصل الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية هذا التأني، وبين مجالات التأني في تربية عقلية الإنسان المسلم منذ نعومة أظفاره إلى أن يلقى الله تعالى، وفي تربية الأمة المسلمة في حالة قوتها وحالة ضعفها، قال صلى الله عليه وسلم:" التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة".، فكل ما يحدث من أمور الدنيا لا بد من التأني فيها، ولا بد من دراستها وتدبرها والتفكر في منهجها وآثارها على الفرد والمجتمع والأمة.

ولقد ورد ذم الاستعجال في حوالي ست وثلاثين آية، كلها تشير إلى أن عواقب الاستعجال الندم، وأن مرتعه وخيم، إلا إذا كان الاستعجال في أمور الآخرة، فهذا ما يجب على المرء الإسراع فيها، وعدم التأني فيها.

ولقد وجه الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك العجلة في طلب نزول الوحي { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } وقال تعالى: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}.

والعجلة هي أن تصدر حكماً على الشيء قبل دراسته، وقبل التفكر في مآلاته وآثاره، ولقد قال العلماء المحققون: إن العجلة مذمومة؛ لأنها تعني الإقدام على الشيء قبل أوانه ونضجه.

أما الإقدام على الشيء واتخاذ القرار بعد الدراسة والتأني والتفكر في المآل والآثار فهذا ما يسمى بالسبق والإسراع وهما محمودان شرعاً وعقلاً.

ولنا في السيرة خير شاهد على ذم العجلة في اتخاذ القرارات، فقد ذم االله تعالى من يتخذ القرار اعتماداً على خبر ينقله واحد لا يتبين لنا حاله، من حيث العدل والصدق، قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }، ووقتها لا ينفع الندم، وأي ندم يجدي بعد فوات الأوان؟.

ولقد كان الصحابة يمرون بآل ياسر { ياسر وزوجته سمية وعمار } وهم يعذبون، ويعانون من الاضطهاد من قبل سادة قريش وزعمائها، فيتقدمون بالشكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبتسم لهم عليه الصلاة والسلام، ويطمئن بالهم، ويقول لهم: { إنكم قوم تستعجلون } فقد جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون.

يريد الله تعالى أن يربي هذه الأمة على هذه القيم العظيمة النبيلة حتى يجعل لها التمكين في الأرض، وحتى تكون جديرة بالاستخلاف الذي أراده الله تعالى لها { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فهذه الخيرية لا تتحقق بدون التأني، ولا يمكن أن تكون خير أمة ما دامت تستعجل في اتخاذ قراراتها.

حتى في الدعاء، لا يجوز للمرء أن يستعجل الإجابة، فقد جاء في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي }.

فالغيب لله وحده، والاستعجال يناقض مبدأ الاعتماد على الله تعالى، والله مطلع على الغيب ويعلم ما يناسبنا في كل وقت وكل زمان، والاستعجال في الطلب وتحقيق الرغائب نوع من سوء الأدب مع الله تعالى.

وسيدنا يوسف عليه السلام، لو لم تتدخل الإرادة الإلهية لما وصل إلى بيت عزيز مصر؛ ليكون حاكم مصر، ولو استعجل في ذلك لما تحقق له ما يصبو إليه؛ إذ جاء التقدير الإلهي ليبعد عن أبيه، ويرمى في البئر، ويباع عبداً، ويخدم امرأة العزيز، ثم ليكون عزيز مصر.

علينا أن نأخذ بالأسباب ونسلم أنفسنا إلى الله تعالى، ونفوض الأمر إليه سبحانه، مخلصين في ذلك، خاشعين.

إن التأني والدراسة والحكمة والحلم أشياء مطلوبة في الإسلام، وفي الحض عليها آيات كثيرة تفوق عدداً الآيات التي وردت في الصلاة رغم أهميتها، وكونها الركن الثاني من أركان الإسلام، لأن الله يريد أن يبني الإنسان الذي يفكر ويعقل، ويدرك المقاصد، وينظر في النتائج، ويتدبر في المآلات.

كل مشاكل الأمة اليوم على كافة المستويات والأصعدة، على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والمجتمع تعود إلى العجلة، وقد جاء في الأثر عن أنس بن مالك: " التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان". فالتأني لا يحمل إلا الخير خاصة إذا كان التأني بعقل مستنير بنور الوحي.

أمتنا اليوم بحاجة إلى هذه التربية الهادئة الهادفة، التي تحقق السعادة لها، والتي تبني الفرد والأمم المجتمعات والشعوب.

الخطبة الثانية:

يذكر لنا القرآن الكريم أن أحد أهم الأسباب التي أهلكت جميع الأمم السابقة هو التعجل، أي اتخاذ القرارات السريعة دون التدبر في الآثار والنتائج. استعجلوا ما كان يدعهم به الأنبياء والمرسلون، ولم يصبروا حتى يأتيهم الله بأمره، بل جحدوا وكفروا، وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثار هم مهتدون.

عظمة هذه الشريعة، وعظمة هذا القرآن، وعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى في هذه التربية التي تحقق الأمن والاستقرار، وتجلب السعادة لكل فرد يدين بالإسلام ديناً، بل لكل البشرية؛ لأنها مبنية على التأني والتخطيط والأهداف والاستراتيجيات، وأي قرار يتخذ لا بد أن يمر في مراحل التفكير والتدبر والنظر في المآلات، حتى ينضج القرار، ويسعد به الفرد والمجتمع والأمة.

اللهم هيء لنا من أمرنا رشداً.

شارك هذه المادة