على الأمة أن تسلك طريق التزكية

جريدة الوطن - الدوحة

رأى فضيلة الشيخ د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن ما يحدث من فتن عامة وابتلاءات تصيب المجتمعات ما هو إلا جزاء لبعض ما كسبته أيدي البشرية، وقال في خطبة الجمعة أمس بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها بفريج كليب.

أنه إذا أرادت الأمة أن تضع حلاً لأزماتها، ومخرجاً لمشاكلها عليها أن تسلك طريق التزكية الشاملة، وعليها أن تعمل على إيجاد القدوة الحسنة في المجتمعات وقدّم الصورة التي كان عليها التشاور بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنموذجا للتشاور داعيا الأمة الإسلامية لاتخاذ هذه الطريقة للتشاور بين الحاكم والمحكومين.

ولفت الانتباه إلى انه لو كان التشاور قائماً في مجتمعاتنا بطرقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حدث في عالمنا ما يحدث الآن.

عالم به أوبئة اجتماعية

وبدأ فضيلته الخطبة قائلا: إذا نظرنا في العالم اليوم نجده عالماَ قد انتشرت فيه الأوبئة الاجتماعية، وظهر فيه الفساد والتفرق والتمزق، وكثرت فيه المشاكل؛ من دمار وقتل وتعذيب، وغيرها من الفتن الكبرى ما ظهر منها وما بطن، ونجده عالماً يصدق فيه قوله تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».فالله سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة أن الفساد قد ظهر في معظم العالم وأكثره، وأن الفساد قد عمَّ البيئات المختلفة، من بر وبحر وجو، وما ظهر الفساد إلا بسبب ما تكسبه الأيدي، وما يفعله بعض الناس من القتل والتدمير وأكل الحرام، وأكل أموال الناس بالباطل، وعدم الالتزام بما جاء به الشرع الحنيف. كما يبين الله سبحانه وتعالى أن ما يحدث من فتن عامة، وابتلاءات تصيب المجتمعات، ما هو إلا جزاء لبعض ما كسبته أيدي البشرية، وليس جزاءً كلياً لكل ما يفعله المفسدون في الأرض، إذ لو كان جزاء كلياً مقابل كل ما يأتي به الذين لا يرعون في المجتمعات إلاً ولا ذمة « مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ»، غير أن الله سبحانه وتعالى يعاملنا برحمته وقدرته وعفوه ومغفرته وجلاله وجماله وكماله.. ويبين الله تعالى أن ما يثقل به كاهل الأفراد والمجتمعات من فتن ومحن هو للتأديب، ولعل الأمم تعود إلى الله تعالى، ولعل البشرية تسعى إلى طريق الهداية، وتتجنب متن الغواية، فتدرك حينئذٍ سبيل رشدها.

الناس أمام الفتن

ورأى ان الناس تجاه هذه الفتن فريقان: الأول: يتأثر ويرتدع فيتوب ويرجع إلى الله تعالى، معلناً الخضوع والتضرع والالتزام.. والثاني: لا تزيده هذه المحن إلا فسقاً وفجوراً وطغياناً وفساداً، وكأن كل ما يحدث من حوله، وبسببه أمر لا يعنيه، وهنا تكمن المصيبة الكبرى.

معالجة الفساد

وشرح أن الله تعالى بيّن أن هذه الدعوة قائمة على أساس علاج الفساد، وأن هذه الرسالة ما جاءت إلا لتحقيق الرشد للبشرية، ولتحقيق العدالة الشاملة لكل البشرية، ولجعل الأرض لكل أمم الأرض، دون أن تستأثر بها جماعة أو طائفة دون أخرى، وهذه هي الغاية المرجوة في إرساء قواعد السلام والأمن والاستقرار، والركيزة الأولى والأساس التي يقوم عليها الاستخلاف في الأرض، وبعدها، وبفضل هذه الرسالة، وبإذن الله تعالى يخرج الناس من الظلمات إلى النور. وعلى هذا النهج القويم ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، حيث لم تكن الأمة العربية قبل البعثة أحسن حالاً مما نحن عليه اليوم، حيث كان الفساد ينخر في مجتمعاتها كلها؛ على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والقبيلة، وحيث القانون السائد آنذاك هو قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف، وليس لمن لا عشيرة له تحميه أو قبيلة تأويه حق في الحياة، بل وصل الحال ببعض إلى عقلية بهيمية، إذا بُشِّر بمولود أنثى ظل وجهه مسوداً، وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ بل كان يؤثر أن يئد فلذة كبده.

حالة الخرافة والجهل

وتابع: كما ترك أكثرهم العقل حين ركع للصنم، وحين سجد لوثن، ومما يدل على أن الأمة العربية كانت تعيش وقتئذٍ حالة الخرافة والجهل أن بعضهم كان يتخذ له إلهاً من التمر يعبده في الشتاء ويأكله في الصيف.. ووصلت العنجهية بهم إلى حالة ما يشبه الجنون قتلاً وتدميراً وتفرقة، دون مبرر ولا سبب، حتى تمثل ذلك شاعرهم بقوله: وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا، كما ظهر فيهم الفساد المالي، حيث كان يفرض النبلاء وأصحاب الثروة فيهم على الفقراء أتاوات تثقل كاهلهم، وتجعل في أعناقهم قيود العبودية والمذلة.. إنه فساد كبير وعريض أكثر مما نعانيه اليوم.

التربية على القيم

وأبان مراحل العلاج لهذا الفساد بقوله: وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم هادياً وبشيراً، وداعياً إلى الله ونذيراً، يعالج كل أنواع الفساد، ويقضي على جميع أشكال التفرقة، ويوحد الأمة بعد تمزقها، حيث أخرج الأمة من الضعف إلى القوة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن تدني القيم والأخلاق إلى أمة تعبر أستاذاً للعالمين في القيم والأخلاق.. وهذا ما جعل المربين المنصفين العادلين يذعنون لعظمة هذه الرسالة ونبيها صلى الله عليه وسلم، وهذا ما دفعهم إلى إعلان الحب له، هذا الحب والعدل ما دعا صاحب كتاب المائة الأوائل «مايكل هارت» إلى أن يفتتح كتابه بسير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يضعه أول المائة، شهد الأنام بفضله صلى الله عليه وسلم، حتى العدا، والخير ما شهدت به الأعداء.

نجاح الرسول نجاحا شاملا

وأكد فضيلته ان الرسول صلى الله عليه وسلم نجح في كل الميادين: ميدان التربية، ونجح في ميدان السياسة، ونجح في القضاء على الفساد المالي والإداري، ونجح في القضاء على التفرق والتمزق، وحد الأمة بعد شتات، ونهض بها بعد سبات، وأحياها من امة العدم إلى أمة الوجود، هذا ما لخصه جفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي ملك الحبشة حين أرسلت قريش وفداً ليعيد النجاشي المسلمين إلى مكة، فقال جعفر رضي الله عنه:» أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام»، فرد النجاشي وفد قريش خائباً، وأسلم النجاشي وأخفى إسلامه عن قومه، ولما نعي للنبي صلى الله عليه وسلم وبلغه خبر وفاته، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة.. بهذه القيم استطاع صلى الله عليه وسلم أن يبني الإنسان، وأن يعيد صياغته، وتمكن صلى الله عليه وسلم من إصلاح الأمة في جميع مجالات الحياة، عالجها من التفرق والتمزق إلى الوحدة والأمة الواحدة، ومن العصبية القبيلة إلى الولاء لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين.. استطاع أن يعلو ببلال الحبشي من رقيق يباع ويشرى إلى مكانة عالية في الإسلام، واستطاع أن يجعل من صهيب الرومي فدائياً يفتدي دينه وعقيدته بكل ما يملك من مال.

ما العمل؟

وقال ان الأمة إذا أرادت أن تضع حلاً لأزماتها، ومخرجاً لمشاكلها عليها أن تسلك طريق التزكية الشاملة، وعليها أن تعمل على إيجاد القدوة الحسنة في المجتمعات، وأن تتشاور الحكومات والشعوب تشاوراً تاماً، مع مراعاة الحقوق المتقابلة لك من الحاكم والمحكوم، وأن تتمازج الحكومات مع شعوبها، وأن يتفاعل الجميع في سبيل تحقيق العزة والكرامة للأمة.

كما أننا مطالبون بهذه القيم والأخلاق في بيوتنا، ومع جميع من نتعامل معه من زوجات وبين وبنات، وخدم وخادمات، لأننا متساوون في أصل الخلق، ولأنه لا يمكن أن تستقيم أحوالنا إلا إذا كانت الرحمة هي اللبنة الأولى لتعاملنا.

فلنعلم من نعول الرفق واللين والشفقة والرحمة والتشاور، لعل الله تعالى يخرجنا مما يحل بساحتنا، فنكون خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي أرادها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.. إنها قدوة لنا «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا»، فالذي يرجو أن ينال رضى الله تعالى، وخير الآخرة، والنجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون، ليس أمامه إلا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولو اقتدينا برسولنا صلى الله عليه وسلم حكاماً ومحكومين لنجدة الأمة من الشدائد التي تحدق بها من كل مكان، ولعلا شانها بين العالمين، ولتحقق لنا الفخار.إن في ذلك لآيات لأولي الألباب.

شارك هذه المادة