لنجعل من اسماء الله وصفاته عنوان حياتنا ونشاركه مع الآخرين

أيها الإخوة المؤمنون

ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أسماءه العلا وصفاته المقدسة في آيات كثيرة، ولو أردنا إحصاءها لبلغت المئات من الآيات، وكذلك جاء ذكر تلك الأسماء والصفات في كثير من الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم تذكر هذه الأسماء ولا الصفات لمجرد أن تذكرها الألسن وتنطق بها الشفاه، ولا لمجرد التسبيح بها أو حفظها فقط، وإنما أكد القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة على أن الهدف من إحصاء هذه الأسماء والصفات هو الوصول بها إلى مبتغاها، وتحقيق غايتها، ألا وهو العمل بها ووعيها وفهمها وتطبيقها تطبيقاً عملياً في حياتنا اليومية، وفي تصرفاتنا وسلوكنا.

وقد أثبت الله تعالى لذاته العلية مجموعة من الأسماء الحسنى، ولم يفردها ذكراً في قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[1]، وقال تعالى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى }[2]، وقال تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى }[3]، وقال تعالى: { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }[4].

كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: { إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة }[5]، ولم يرد ذكر هذه الأسماء في هذا الحديث، ولكنها وردت في رواية للترمذي، حيث عددها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: { إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور }[6].

وقد أجمع معظم الفقهاء وجماهير علماء السلف والخلف على أن هذا العدد لا مفهوم له في الإسلام، أي ليست أسماء الله تعالى ولا صفاته سبحانه محصورة في 99 فقط، وإنما هي مبثوثة في آي القرآن الكريم، ومنتشرة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أسماء وصفات استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده، كما ثبت ذلك في دعائه صلى الله عليه وسلم، حيث روى الإمام أحمد في مسنده، أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: { اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا قال فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها }[7].ولذلك يجب نجد في القرآن الكريم أكثر من 220 اسماً وصفة لله تعالى مبينة أهميتها للعمل بها، ومعنى " من أحصاها" ليس المقصود العد فقط، وإنما أن نصل بها إلى الغاية والهدف والمبتغى، وأن نطبقها مع الحفظ والوعي والإدراك والعمل بها.

فعلى سبيل المثال، وصف الله تعالى ذاته العلية بــ" الرحمن الرحيم" في البسملة وكثير من الآيات القرآنية، ونحن نؤمن بها إيماناً مطلقاً ونثبتها إثباتاً يليق بذات جلاله تعالى، دون تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، ثم بعد ذلك نعمل بها ونتصف بها ونجعلها عنوان حياتنا مع كل من يشاركنا الحياة بدءاً من الأسرة وأفرادها انتهاءً بالكون والبيئة وأفلاكها وما فيها، مع الأخذ بنظر الاعتبار الفارق بين رحمتنا ورحمة الله تعالى، إذ رحمة الله تعالى واسعة شاملة مع القدرة والقوة، ورحمتنا محدودة بطاق محدودية بشريتنا.

وكذلك صفة العدل، فالله سبحانه تعالى وصف ذاته العلية بأنه عدل وعادل، أي أعطى كل ذي حق حقه، ومنع وقوع الجور والظلم والطغيان، وقد كلف عباده بالاتصاف بالعدل، ومنع الظلم والطغيان، حين خاطبهم في الحديث القدسي بقوله: { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا }[8].

يجب أن تكون ألستنا رطبة بذكر الله تعالى، وأن تخشع قلوبنا وتلين لذكر الله تعالى، وأن تقشعر أبداننا لذكر الله تعالى، ولكن ذلك وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك تطبيق عملي للذكر، وإذا لم يصل بنا هذا الذكر إلى الإسلام والاستسلام لله رب العالمين، وإذا لم تخضع جوارحنا وتتجه إلى الله وحده.

هذا هو المعنى الحقيقي لقول المسلم في صلاته" وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً" يستسلم بذاته كله بروحه وقلبه وجوارحه وتصرفاته لله رب العالمين، وهذا هو ما جاء به كل الأنبياء ودعوا إليه أممهم وأقوامهم، ولن يتحقق الاستسلام ذاتاً ونعمة وصفة وسلوكاً إلا بهذا التوجه وهذه العبودية وهذا الخضوع لله تعالى، ولا يكفي المسلم أن يكثر عدداً من التسبيحات والأذكار إذا لم تصل به إلى الخضوع الكامل لله تعالى، وتوحيد الله تعالى في الذات والصفات والأفعال.

إن ديننا دين العمل والأخلاق والتطبيق العملي، وليس دين طقوس تؤدى، ولا دين ألفاظ تتلى، وما مشكلة العالم الإسلامي اليوم إلا من هذا  الباب، حيث أصبحت الشعائر الدينية مجرد طقوس وألفاظ لا تأثير لها ولا معنى، ولا بصمة لها في الحياة ولا صدى، فتردت الأمة من سيادة العالمين إلى ما لا يذكر من الشأن، وانحطت من أعلى إلى أن غدت من سقط المتاع، وغدت أمة أقوال دون أفعال، واتخذت قدوتها جيلاً غير الرعيل الأول الذي تربى على يدي خير البشر، وتخرج في مدرسة النبوة والرسالة، وكان بذلك مناراً للعلم والعمل، ومنبراً للأخوة والسلام.

واجب المسلم نحو هذه الأسماء والصفات

إذا تقرر ما تقدم في قلب المؤمن، وهو أنه لا يقبل منه كثرة العدد ولا إحصاء الأسماء والصفات إلا إذا كان ذلك العدد وتلك الصفات خلقاً له وسلوكاً، عليه أن يدرك تماماً واجبه تجاه أسماء الله العلا وصفاته الحسنى، ولا يجدر به أن يغفل عنها، أو أن يتناساها أو ينشغل عنها، إذ هي سر حياته، وقوام عيشه، وهذا يوجب عليه الآتي:

  1. الإيمان بالأسماء والصفات كما نطق بها القرآن الكريم، وكما جاءت في السنة الصحيحة من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف.
  2. إشغال قلبه وجوارحه بها تماماً تطبيقاً وسلوكاً.
  3. الدعاء بها.
  4. حفظها، وذكرها على لسانه، حتى يكون لسانه ربطاً بها.
  5. العمل بكل صفة له علاقة بالإنسان مثل الرحمة، فيكون الذاكر رحيماً، والعفو، فيكون عفواً، الغفور، فيكون متصفاً بالمغفرة، والعدالة، والحكمة، والشكر لله تعالى، واللطف، والحفظ، والقوة، واتباع الحق، والمجد والعزة، والإحسان والبر، وغنى النفس بالله تعالى، والصبر، والرشد والرشاد، ونحوها.

أوصيكم ونفسي دائماً بأن ننتبه إلى معاني أسماء الله تعالى وصفاته، وأن نطبقها في حياتنا اليومية، و أن  يتجلى أثر تلك الأسماء والصفات في السلوك والعمل والتنفيذ والاستسلام لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

لقد دخلنا في شهر شعبان المكرم، وعلينا أن نستعد فيه لاستقبال شهر رمضان العظيم، وذلك بتهيئة نفوسنا وتزكيتها وتطهير قلوبنا وألسنتنا، والتوبة الخالصة لله رب العالمين، وذلك من خلال الالتزام بشروطها؛ إذ لها ثلاثة شروط إذا كانت التوبة في حق من حقوق الله تعالى، وهي:

  • الإقلاع عن الذنب.
  • الندم على فعل المعصية، أو التقصير.
  • العزم على عدم العودة إلى الذنب أبداً.

وأما إذا كانت التوبة في حق العباد، فزيادة على ما تقدم من الشروط، عليه أن يستبرئ من صاحبها، ويطلب المسامحة منه.

وهذا سهل في الحقوق المالية، أما في الحقوق المعنوية فالأمر صعب، ومن الحقوق المعنوية الغيبة والنميمة والكذب.

علينا أن لا نقع في أعراض الناس، وعلى من وقع في ذلك المبادرة إلى الاستبراء من صاحبها، والمسارعة إلى طلب العفو، حتى لا يأتي يوم القيامة مفلساً من الأعمال بسبب ما ارتكب من الآثام.

كما علينا أن نستعد لاستقبال شهر رمضان بالصيام، فما صام رسول الله صلى الله عليو سلم في شهر أكثر من صيامه في شهر شعبان.

نظموا أوقات صومكم، إما أن نصوم صوم نبي الله داود عليه السلام، نصوم يوماً ونفطر يوماً، أو نصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، مع الأيام البيض.

علينا أن نصون ألسنتنا، وننظف قلوبنا، ونكف عن القبائح حتى ندرك شهر رمضان وقلوبنا تفيض نوراً، وجوارحنا تشع حبوراً.

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية: 180

[2] سورة الإسراء، الآية: 110

[3] سورة طه، الآية:8

[4] سورة الحشر، الآية 24

[5] رواه البخاري في صحيحه برقم ( 2585 ) ومسلم في صحيحه برقم ( 2677 )

[6] رواه الترمذي في سننه برقم ( 3507 )

[7] المسند برقم ( 3704 )

[8] رواه مسلم في صحيحه برقم ( 2577 )

شارك هذه المادة