في ظلال الآية الكريمة:(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...)

أيها الإخوة المؤمنون

بين الله تعالى في كتابه العظيم القرب العظيم بين ربه سبحانه وتعالى وبين الإنسان ولا سيما عندما يتضرع الإنسان إليه سبحانه، فليس بينه وبين ربه أي حجاب، فيتضرع إليه ويدعوه ويعرض بين يديه سبحانه كلما ما عنده، وقد قيل سابقاً" إذا أغلقت أبواب الأرض فإن أبواب السماء تظل مفتوحة لا تغلق، مهما كانت الحالة التي عليها الإنسان، ومهما كان على المعاصي والذنوب، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ }[1]، متحدثاً عن المشاكل والمصائب والمشاق التي يعيشها الإنسان، وعن العقبات التي تعترض مسيرته في التعمير والاستخلاف، وهذه الحالة هي في معظم مراحل حياة الإنسان، أي أن الله تعالى خلق الإنسان في داخل المصائب والشدائد والمكابدة، وهذا ما يفيده التعبير بلفظ { في كبد } فكأن هذه الآلام والشدائد والمشاق محيطة بالإنسان من كل جانب، وهو مولود فيها وموجود فيها ظرفية لا تفارقه، وستظل معه في معظم مراحل عمره حتى الاختبار بالخير والشر، إلا جهة واحدة مفتوحة له، ألا وهي جهة الفوق، ليظل قلبه متعلقاً بالسماء، وليبقى أمله بالله تعالى، فيتقرب إليه بالنجوى تارة، ويدنو منه بالشكوى مرة أخرى.، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }[2].

سبب نزول الآية.

ورد في سبب نزول هذه الآية ما ذكره ابن كثير في تفسيره" أن أعرابياً قال : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }[3].، وقد ذكرت أسباب أخرى، نترك سردها خشية الإطالة.

ومما يدل على قرب الله تعالى من عبده حينما يدعوه، ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده"[4].

ومن الملاحظ أن الله تعالى ذكر هذه الآية بين آيات الصيام، وربط بينها ربطاً وثيقاً محكماً من خلال العطف ليدل على أن أنه ينبغي على الصائم أن لا يكف عن الدعاء، إذ له دعوة مستجابة عند إفطاره، كما تدل هذه الآية على أن الدعاء عبادة عظيمة، وهو مخ العبادة، وهو القرب من الله تعالى والاعتراف بالربوبية والألوهية، لأن الإنسان حينما يتضرع إلى الله تعالى ويدعوه وهو موحد لا رياء ولا شرك ولا نفاق، فإنه يعبد الله حق العبادة، وبذلك يستحق بفضل الله وكرمه أن يستجيب الله له كما وعد الله سبحانه في هذه الآية الكريمة.

ولنعش في ظلال هذه الآية الكريم دقائق معدودة ، نتدبر كلماتها وحروفها، ونستنير بنورها ونستفيد مما فيها من تجليات ومعانٍ:

بدأ الله تعالى الآية بقوله: { وإذا سألك } بصيغة الماضي الدالة على التحقيق، أي أن كل عبد لله تعالى دائم الصلة بربه سبحانه، لا ينقطع عنه في أي حال من الأحوال، فهو من عبوديته الحقة لربه تعالى أن يكون مع ربه في حالة السراء والضراء، وفي حالة الرخاء والشدة، حتى يكون دائم القرب منه سبحانه.

وإذا تتبعنا الأسئلة التي وجهت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، نجدها حوال 14 سؤالاً، كلها جاءت بصيغة المضارع، مع { قل } في الجواب، إلا هذه الآية، فإنها بصيغة التحقق وبدون كلمة { قل } لتدل على أن باب الله تعالى مفتوح لكل عبد، ولا يحتاج العبد في سؤاله ودعائه لربه تعالى إلى أي وسيط.

ثم عبر الله تعالى بكلمة محببة إلى النفوس { عبادي } إطلاق العبودية علينا، وأكثر صفة تقرب الإنسان من خالقه تعالى هي صفة العبودية، وهي أعظم وصْف وصَف الله تعالى بها نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، حيث قال عنه في سورة الإسراء: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }[5]، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يناديه الله بها، لأن العبودية ــ كما قلنا ـــ هي منتهى القرب من الله سبحانه، وفيها دلالة مشاركة الرسول صلى الله عليه ولأفراد الأمة في العبودية لله تعالى، فكل إنسان عبد؛ والمؤمنون عباد موحدون طائعون، والكفار عباد كرهاً، ومع كفرهم يستجيب الله دعاءهم، كما ذكر ذلك الله تعالى بقوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[6]، وقد استجاب الله تعالى لإبليس حين طلب منه أن ينظره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، { قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ }[7]، فاستجابة الله تعالى لغير المؤمنين من باب رحمته التي وسعت كل شيء، ولكنه سبحانه لا يكتب هذه الرحمة في الآخرة إلا لعباده المؤمنين.

وفي قوله تعالى: {فإني قريب } بشارة بقرب الله تعالى من الداعي، وفي كل وقت مهما كانت الحجب.

وفي قوله تعالى {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } وعد من الله تعالى بانه سميع لنجوى عبده، يجيب سؤله، ولكن هذه الاستجابة ليست بالضرورة أن تتحقق في الدنيا، ولا كما يريد العبد، وإنما بما يحقق المصلة للداعي، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء }[8].

وهذه الاستجابة تكون على ثلاث أوجه:

  1. قد يستجيب الله تعالى للعبد في الدنيا على وِفق ما طلب.
  2. أو يدرأ عنه بدعائه مصيبة من المصائب، أو يدفع عنه كربة.
  3. أو يدخر الدعاء لعبده في الآخرة ليمنحه مزيد الحسنات والأجر والثواب ورفيع الدرجات.

وقوله تعالى:{ فليستجيبوا لي } هو الأساس في الاستجابة، فمتى وجدت الاستجابة من الإنسان لأوامر الله تعالى ونواهيه، واستجاب العبد لله تعالى في إصلاح قلبه ونفسه، وفي إصلاح سلوكه وتصرفاته ،واستقامت جوارحه، تحققت الاستجابة الكاملة من الله تعالى لدعاء عبده، وكأن الله تعالى يقول لنا: إذا أردتم أن أقبل دعاءكم وأستجيب لكم عليكم أولاً أن تستجيبوا لي بامتثال أوامري واجتناب نواهيّ، وليكن ملبسكم حلالاً ومطعمكم طيباً، وسارعوا إلى الحلال، وامتنعوا عن الحرام.

وهذا ما يناسب الصيام؛ لأن من مقاصد الصيام أن يتغير الإنسان من حالة سيئة إلى حالة حسنة، ومن حالة حسنة إلى حالة أحسن.

وقوله تعالى { وليؤمنوا بي } تصديقاً لا يخالطه شك، ولا يعتريه ريب بأن الله هو الحق، وأن وحده ينفع ويضر، وأنه وحده بيده مقالد كل أمر، وأنه وحده يقبل الدعاء، فيزيل العقاب ويكشف البلوى، ويحول المحنة إلى منحة، وقد اعتبر علماؤنا أن هذا الاعتقاد شرط وأدب من آداب الدعاء، وهو أن يكون الإنسان متيقناً من الاستجابة من الله تعالى، وأن يكون مُلِّحاً، ولا يترك الدعاء لمجرد تأخر الاستجابة فيستعجل، ويصل به الأمر إلى اليأس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء }[9] ، وليس المقصود بالاستعجال أن يطلب الداعي الفرج فوراً، فالدعاء صلة ووثيقة قربى بين الله وبين عباده.

ثم ختم الله تعالى الآية بقوله: { لعلهم يرشدون }، ما الرابط بين الصيام والرشد؟

إن الرشاد هو العمل والقول حسب الحكمة، وحسب مقتضى الوحي والعقل السليم، والتصرف السليم المطابق للنص الصحيح، والمطابق للحكمة والعقل والفطرة السليمة، لذلك يقال: إن الحكم الرشيد هو الحكم العادل والموفق، كما يقال: الاقتصاد الرشيد، والمجتمع الرشيد، وكذلك الإنسان الرشيد.

ومن خلال هذا الرشاد يستحضر الداعي أوامر الله تعالى فيتبعها، ويستحضر نواهيه تعالى فيجتنبها، وفي ذلك استجابة لله تعالى وتحقيق للرشاد الذي يصبو إليه الإنسان، ويقابل الرشاد السفه، فكل فسقنا وفجورنا وسفهنا في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتصرفات يعود إلى عدم استجابتنا لله تعالى فيما أمر، ويعود إلى عدم تركنا منا نهى الله عنه وزجر.

هذا الشهر هو شهر الدعاء، وهو شهر الاستجابة لله تعالى، فاستجيبوا لله تعالى حق الاستجابة يسمع الله دعاءكم ويتقبل منكم ويستجب لكم فإنه هو السميع العليم.

الخطبة الثانية:

من أهم شروط وآداب الدعاء

  • الطهارة.
  • البدء بالحمدلة، ثم الصلاة والسلام علة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • حضور القلب والخشية والخشوع، فقد ورد" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه"[10].
  • أن لا يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم "[11]، إلا على ظالم فإنه يجوز، سواء كان الظلم عاماً أو خاصاً، كما يجوز أن يدعو له بالهداية.

ولا ينبغي أن ننسى إخواننا المستضعفين في البلاد الإسلامية من الدعاء بأن يفرج الله كربهم، وأن يعيد إلى تلك البلاد الأمن والأمان.

كما يجب علينا ــ حقاً لله تعالى، وواجباً تجاه قطر ـــ أن ندعو الله تعالى أن يحفظ امنه واستقراره من شر الحاسدين، وحقد الحاقدين، وكيد الكائدين، وأن يزيدها توفيقاً ورشاداً وأمناً واستقراراً.

 


[1] سورة البلد/ الآية 4

[2] سورة البقرة/ الآية 186

[3] تفسير ابن كثير( 1 / 506 )

[4] رواه البخاري في صحيحه برقم ( 2830)

[5] سورة الإسراء/ الآية 1

[6] سورة يونس/ الآية 22

[7] سورة الأعراف/ الآية 15

[8] رواه مسلم في صحيحه برقم ( 2735 )

[9] رواه مسلم في صحيحه برقم ( 2735 )

[10] رواه الترمذي في سننه برقم ( 3479)

[11] رواه مسلم في صحيحه برقم ( 2735 )

شارك هذه المادة