التعايش وفقه الثوابت والمتغيرات

إن مما لا شك فيه أن الإسلام هو الوارث الحقيقي لجميع الشرائع السماوية. وجعل الله تعالى الإسلام خاتم الرسالات، ورسوله خاتم النبيين والمرسلين، وجعله خالداً إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أن تكون نصوصه مركزة في نصوصها القطعية على الأسس والأركان التي يبنى عليها هذا الدين، وتوضيح العقيدة الصحيحة، والقيم والأخلاق الراقية، وأسس المعاملات والتعامل مع الناس جميعاً، تاركة التفاصيل في معظم الأشياء للأدلة الظنية، أو للاجتهادات الإنسانية في ظل المبادئ العامة والقواعد الكلية. وبذلك جمعت الشريعة بين الثوابت التي لا تقبل التغيير (أي بمثابة الهيكل العظمي للإنسان)، والمتغيرات التي تشبه أحوال الإنسان العادية القابلة للتغير، وبذلك انسجمت الشريعة التي أرسلها للإنسان مع الإنسان الذي نزلت عليه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

فالإنسان ثابت في حقيقته وجوهره وأصل عقله وروحه ونفسه ومكوناته وضرورياته وحاجاته العامة إلى المأكل والملبس والمشرب (وإن كانت النوعيات مختلفة، لكن الأصل العام لم يتغير منذ خلق الإنسان إلى يومنا هذا)، ولكن الإنسان متغير في معارفه، وفي إمكانياته للتسخير وعلومه، وفي أنواع ملابسه ومشاربه ومآكله ومساكنه، فقد وصل إلى القمر، ومع ذلك يظل بحاجة إلى الهداية الربانية والعقيدة التي تملأ فراغ روحه ونفسه، وإلى قيم وأخلاق ربانية تمنعه من الازدواجية والعنصرية والظلم والاعساف، وتدعوه إلى العدل والمساواة والإنصاف، وتردعه عن إذلال الإنسان وازدرائه وأكل حقوقه وأمواله.

وبهذه الصفة العظيمة الجامعة بين الاستفادة من النقل والعقل، وبين الثوابت والمتغيرات، يجتمع في الإنسان خير الدنيا والآخرة، ويتحقق له التآلف والمحبة والتقارب الحقيقي، لأننا حينئذٍ نتعاون ونتحد فيما أجمعنا عليه من الثوابت، ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه، لأنه من المتغيرات الاجتهادية التي تقبل أكثر من رأي.

ثم إن الثوابت والمتغيرات وصف للأحكام والفتاوى، وليست وصفاً للنصوص الشرعية فهي باقية، ولكن الاجتهاد في نصوصها الظنية هو الذي يمكن أن يتغير.

ويدخل في هذه الثوابت النصوص القواطع، والكليات العامة والمبادئ العامة، مبادئ العدل والإحسان والرحمة ، وكرامة الإنسان، ومبدأ الحرية، وتحريم القتل بدون حق، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الأعراض ونحْوها، حتى إن القوانين البشرية تتفق فيها مع الشريعة الغراء حتى أسماها القدماء: القانون السماوي أو القانون الطبيعي، أو القانون الخالد. وهي في حقيقتها بقايا الشرائع السماوية والفطر السليمة التي استقرت في نفوس الشعوب، وقد عبر الإمام الشاطبي: عن وصف هذه الثوابت بقوله: (إنها كلية أبدية، وضعت عليها الدنيا، وبها قامت مصالحها في الخلق حسبما بين ذلك الاستقراء، وعلى وفاق ذلك جاءت الشريعة أيضاً ، فذلك الحكم الكلي باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).

 

شارك هذه المادة