توحيد الخلق في المبادئ والثوابت والسلوكيات العامة

أيها الإخوة المؤمنون

أنزل الله تعالى هذا الدين العظيم وجعله خاتم الأديان، وجعل فيه سعادة الإنسان وبين فيه هدايته وخدمته، حتى يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة.

ولو أردنا أن نجمع مقاد الإسلام في كلمات مختصرات لجمعناها في ثلاث كلمات:

  • توحيد الخالق، ويدخل فيه كل العقائد التي ذكرها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.
  • توحيد الخلق، حيث يكون الناس متآلفين متحدين على أقل تقدير في مبادئهم وثوابتهم وسلوكياتهم العامة.
  • سعادة الدنيا والآخرة.

واليوم نتحدث عن المقصد الثاني، ألا وهو توحيد الخلق، فما نزلت هذه الشرائع والأحكام والتوجيهات الربانية وما في السيرة النبوية من توجيهات والقدوة الحسنة إلا لتوحيد الخلق، لا سيما المؤمنين المسلمين الذين يؤمنون بهذا الكتاب العظيم القرآن الكريم، وبالنبي المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وما الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج إلا عبودية لله تعالى أولاً، وتحمل في طياتها آلية التآلف والوحدة والانسجام والخدمة والتعاون والإحسان إلى كل مخلوق.

فالصلاة مثلاً، والتي يجتمع من خلالها أهل الحي الواحد في اليوم خمس مرات لا تزيدهم إلا ألفة ومحبة ومودة وتعاوناً ومساواة، وتساؤلاً عن أحوال بعضهم البعض، وتفقداً لشؤون بعضهم البعض، وليس كما نلاحظ اليوم إذ كلو واحد يؤديها ثم يرجع إلى بيته دون أن يحمل بين جنباته شيئاً من تلك المشاعر الجياشة التي تحسه بالمسؤولية تجاه أهل حيه ومنطقته، إذ الصلاة غدت من الطقوس التي تمارس بشكل لا روح له ولا حياة فيه، وفقدت قيمتها الشعائرية العظيمة، التي تنبت في قلب صاحبها حب الله تعالى وحب الناس، وتثمر الأخوة الإيمانية التي أمر الله تعالى المؤمنين بالانضواء تحت لوائها، والولاء لها.

ثم تتسع دائرة هذه الشعيرة من أهل الحي الواحد إلى أهل المدينة الواحدة من خلال صلاة الجمعة، التي ما أديت في عهد النبوة والرسالة إلا في مسجد واحد، ولما اتسعت المدن وامتد العمران أُجيز تعدد الجمع والجمعات بقدر الحاجة، وكلما ازدادت الجمع اسعت دائرة التعاون والتآلف والإحساس بالأخوة الإيمانية وبالنعمة التي يشعر بها المسلم في ظلال أخوته الإيمانية، إذ يغدو جميع أفراد المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد والأعضاء بالسهر والحمى.

ثم تزداد هذا الترابط بين أفراد الأمة الإسلامية وينمو هذا الانتماء ويقوى هذا الانسجام ليشمل جميع المسلمين من خلال موسم الحج، المؤتمر الأعظم الذي لا مثيل له في العالم، حيث يجتمع في ساحات المسجد الحرام وباحات أماكن مناسك الحج ممثلون عن كل أفراد الأمة، يأتون من كل فج عميق، يصل تعدادهم إلى الملايين، ولا توجد في الدنيا كلها عقيدة دينية اجتماعية تآلفية كدين الإسلام، الذي بنى أركانه الدينية على وحدة الأمة والأخوة الإيمانية وعلى التعاون والانسجام والمحبة والمودة، وهذا ما جعل بعض المستشرقين يذعن بالإسلام ديناً ويخضع لعظمته.

وقد حدد الله تعالى مقصداً سامياً لهذا المؤتمر العظيم فقال: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ }، ومن خلال هذه المشاهدة يحس المسلم بأي مصيبة تصيب أي جزء من أجزاء الأمة الإسلامية ويتألم لمصابه، ويحزن لحزنه، فهذه المشاهدة في موسم الحج تجسيد للإيمان الذي يستقر في القلب، وتطمئن به النفوس.

وفي كلمة { منافع } جمع التكسير المفيد للكثرة منافع كثيرة، منها:

منافع سياسية، بحيث يجتمع قادة الأمة ويبحثون قضايا أمتهم ولا سيما في أوقات الأزمات هذه، التي تعصف بالأمة، ما تذر من شيء أتت عليه من وشائج القرابة وعلائق النسب، ومن روابط العشيرة الواحدة والانتماء للقبيلة، ومن معاني توحد الأمة وتلمُّ شعثها، إلا فرقته أحزاباً وشيعاً، ومزقته تمزيق الرياح للجراد.

وما يخزي الأمة ويندي جبينها أن معظم حكامها هم سبب ضياع الأمة وتفرقها، حفاظاً على مناصبهم، ورعاية لمصالحهم، وخوفاً من ثورات الشعوب، ووجلاً من نهضة حركات الإصلاح الشامل.

منافع جمع العلماء، ينقل لنا التاريخ صوراً رائعة عن استثمار الأمة لمثل هذه الشعائر في كسب المنافع، يقول ابن كثير: حين احتل الصليبيون بلاد المسلمين في القرن الخامس الهجري اجتمع في موسم الحج ـــــ رغم شح وسائل التواصل الاجتماعي وقتها، حيث لا طائرات ولا سيارات، ولا هواتف نقالة ولا غيرها من آلات التواصل المعاصرة ولا من برامجه السريعة ــــ ما بين 200 و 400 عالم ليناقشوا أزمة الاحتلال، ويبحثوا عن آلية الانتصار عليه، وتحرير البلاد الإسلامية من قيود الاحتلال، فاتفقوا بعد المشاورات على إنشاء مدارس إصلاحية تقوم على مبدأين؛ تزكية النفوس، والجهاد والعلوم الشاملة، قاد هذه المدارس الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكوكبة من العلماء، فأنجبت ما يقرب من ثلاثين إلى أربعين عالم وقائد وسلطان، منهم: نور الدين الزنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والعز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، وتحقق للأمة يومها ما أرادت بعد الاعتماد على الله تعالى من تحرير البلاد.

منافع اقتصادية، كم يتألم الحاج والمعتمر حين لا تقع عينه على أي مصنوع في البلاد الإسلامية يجلب إلى أسواق مكة والمدينة ليتبضع منه ويعود به إلى أهله فرحاً مسروراً يقدمه هدية إلى من يهنئه بأداء هذا المنسك العظيم، إذ كل ما يغزو تلك الأسواق منتوجات صينية أو شرقية أو غربية، وليس لدول الإسلام من تلك المنتوجات حظ ولا نصيب إلا الاستهلاك.

رغم ما تملك الأمة من إمكانيات هائلة، يحقق لها الاكتفاء الذاتي على أي صعيد تريد، غير أنها مهدورة في مؤامرات الكيد ضد البلاد الإسلامية والأمة ذاتها، أو تُنفَق في تنفيذ مخططات أعداء الأمة الإسلامية.

ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجمع جميع الولاة في موسم الحج، ويسألهم عن حال الأمة ويتفقد شؤون الفقراء ويناقش ولاته على الأمصار آلية أداء الزكاة وكيفية توزيعها، وهل هي كفيلة بالقضاء على مشكلة الفقر؟ وهل تسد حاجة المحتاجين؟

واليوم، وعلى مقربة من مكة ينخر في اليمن السعيد الوهن والضعف، ويهدد صحتها وباء الكوليرا الذي لم يعد موجوداً في العالم كله إلا في البلاد المنكوبة.

كذلك ما يحدث في سورية من ضياع شمل السوريين، وتفريقهم في البلاد الأوربية تحت وصايات أجنبية لا ترعى لهم عهداً ولا تحفظ لهم وداً.

وهنا لا بد من كلمة حق أُشهد الله عليها: إن الذين عاثوا فساداً في سورية، وخدعوا السوريين في الوقوف إلى جانبهم حتى ينالوا حقهم في الحرية والكرامة، ثم تركوهم في منتصف الطريق، ومالوا إلى النظام الجائر الذي يقتل ويدمر ويهجر، وركنوا إليه وإلى مصالحهم الخاصة، وأيدوا في المؤتمرات والمحافل بقاء النظام الظالم، أقول: إنهم مسؤولون أمام الله تعالى عن كل روح أزهفت، وعن كل نقطة دم أهرقت، وعن كل نفس أرهقت، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

إن الإسلام يأمرنا أن نتخذه منطلقاً لوحدتنا ولأخوتنا ولنهضتنا حتى نعود فنتسلم عرش الوجود، ويكون لنا منبر حق وعدل للسيف، ومنبر حق وصدق للقلم.

الخطبة الثانية

إن الله تعالى أمرنا في كل آياته بأن يكون ولاؤنا لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يكون همنا خدمة الإسلام والمسلمين، وأن لا ننحرف إلى غير ذلك من الأفكار التي تفرق وتمزق ولا تجمع، وقد حذرنا الله تعالى كثيراً من اتباع النصارى اليهود، وبين لنا مخاطر اتباعهم، وأنهم لن يرضوا إلا بانحرافنا عن الحق { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } فالذي يتخذ اليهود والنصارى ولياً سيخسر في الدنيا والآخرة، وليعلم أنه في أيديهم خادم ومستخدم كحصان طروادة، وليتعظ بما فعلوه مع شاه إيران، حيث لم يسمحوا لطائرته بالهبوط ليعالج إنسانياً.

على الأمة الإسلامية أن تعتبر وتتعظ، فمصيرها واحد وليس بينها وبين أعداء الدين أي علاقة، غير التعامل حسب المصالح، فهذا جائز، ولا يجوز للمسلمين أن يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين.

على الأمة الإسلامية ان تسعى جاهدة إلى تحقيق وحدتها واستقلاليتها وإثبات وجودها بين الأمم، وبذلك يتحقق لها وعلى يديه الخير.

اللهم أصلح أحوالنا

شارك هذه المادة