القره داغي : «الظنون» أدخلت العالم الإسلامي في «حرب نفسية»

الدوحة - العرب

دعا فضيلة الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الأمة الإسلامية إلى تفعيل الأخوة الإيمانية، وأكد أن العالم الإسلامي يعيش اليوم في صراع داخلي وحرب نفسية بسبب الظنون والشكوك، وأضاف في خطبة الجمعة أمس بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها بفريج كليب: أصبح معظم أفراد الأمة الإسلامية، وجماعاتها وحكوماتها تنطوي تحت عباءة الأنانية، وتنادي نفسي نفسي، مالي مالي، مصالحي مصالحي، في حالة يرثى لها من التفرق والابتعاد عن حقوق الأخوة الإيمانية، لافتاً إلى أن سوء الظن من أخطر الأمراض القلبية التي تؤثر في هذه الأخوة، موضحاً أن سوء الظن هو عدم الثقة بمن هو لها أهل، وامتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على اللسان والجوارح، واعتقاد جانب الشر وترجيحه على جانب الخير فيما يحتمل الأمرين معاً، فيتعامل المجتمع بتلك الظنون والشكوك التي لا أساس لها، والتي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وقال: «لو تعامل المجتمع كله بالمكاشفة والإعلان والبيان والشفافية وإظهار الحق، لقضى على هذا المرض العضال، ولتطهر من خبث القلوب»، لافتاً إلى أن الذي يعيش في أجواء موبوءة مفعمة بالشكوك وسوء الظن، ويقتات على الفساد والرذيلة يبث سمومه من خلال إشاعة الظنون الكاذبة، ومن خلال اختلاق الشبهات والاتهامات لفئات الناس المحترمة، وللحكومات الرشيدة.

وتابع: أكثر تلك الاتهامات في عصرنا هذا الذي يشهد طفرة في عالم التكنولوجيا، والذي يفاجئنا كل يوم بوسيلة اجتماعية جديدة، فلا يتقن معظم الناس استعمال تلك الوسائل في الخير والنعم، بل يحولها إلى أداة شر ونقم، يروج من خلالها ما تستهويه أفئدة بعض الحكام والقادة، ليلبس على الناس دينهم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، وليردوهم بعد الحق والبيان.

 

الأمة ينقصها الكثير

 

قال القرة داغي «إن الأمة صبت اهتمامها في التربية منذ قرابة 100 سنة إلى قضية العقيدة والعبادة، وهذا أمر مطلوب، وأهملت الأمة القلب وغذاءه، وأصبحنا نركز على الشكل الظاهري، ونحكم على المرء من خلاله، فإذا كان ذا ثوب ينتصف الساق، ولحية تملأ رحابة الصدر حكمنا بإيمانه وصدقه، وإذا كان غير ذلك كان منبوذاً ممقوتاً، وأضاف: التقيت بعض الشباب من هذه البلاد فبادرتهم بالسلام والابتسامة، ففرحوا ودهشوا، ولما سألتهم عن سبب الاستغراب، قالوا: إنك عالم معروف تسلم علينا وتبتسم في وجهنا، وعندنا بعض العلماء نسلم عليهم فلا يردون علينا السلام إلا بخياشيمهم، ومنذ ذلك الوقت غدوا أصدقاء لي، وكلما حانت لهم الفرصة لزيارة قطر، يزورونني.

وأضاف: زار سيدنا عيسى عليه السلام قرية فخرجت كل القرية لاستقباله، فسألهم: هل سكان القرية كلهم هنا، فأجابوا: نعم، غير واحد، هو كذا وكذا ـ وعددوا معايبه ـ، فقال لهم عيسى عليه السلام: أنا ضيف هذا الرجل الليلة، فقالوا: كيف تنزل به ضيفاً ونعته كذا وكذا، فقال: إننا أطباء القلوب، وعلينا أن نذهب إلى مثل هؤلاء لعلاجهم، ولما نزل به سيدنا عيسى عليه السلام، فرح به الرجل واستبشر، وصلح حاله وتاب وأناب.

وأوضح أن أمتنا ينقصها الكثير، وعلى علمائنا أن يغشوا الناس في مجالسهم ليعلموهم، وليكونوا علاجاً لأمراض قلوبهم، فالمرء بصلاح قلبه.

 

وسائل التواصل.. وصنع الكذب

 

أضاف خطيب الجمعة : تحولت تلك الوسائل إلى آلة تصنع الكذب وتنشر الفساد، وتطبل لفكر ساذج، وتبث السموم، حتى إن بعض الدول قد خصصت لهذا الغرض ميزانية لتمويل ما يسمى بالجيش الإلكتروني لصناعة الكذب والتضليل، وإشاعة الدجل والفساد والتدمير، لا يسلم من زورهم ولا بهتانهم ولا إفكهم علماء مصلحون، ولا قادة حكماء، ولا أي فئة اجتماعية، وحتى تنطلي أكاذيبهم على عامة الناس يكررون تلك الأكاذيب حتى تغدو مشاهدة مألوفة أمام العامة فلا ينكرون منها شيئاً، ولكي تكسب أباطيلهم شيئاً من القبول يلبسونها كسوة الدراسات العلمية، والنتائج المخبرية.

وأوضح أن رئيس إحدى الدول استطاع أن يلفق على الناس ويكذب عليهم في ترويج حملته الانتخابية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أنشأ 1.5 مليون حساب وهمي تؤيده في حملته، مع أنه كان منبوذاً من أغلب الفئات الاجتماعية في دولته.

 

أنواع سوء الظن

 

قال خطيب الجمعة إن سوء الظن بالله يكمن في أن ينسب المرء إلى ربه ما لا يليق به، أو يصفه بما هو منزه عنه من كل عيب ونقص، أو يتعلق بغيره، ويعتمد على سواه، أو يقنط من رحمة الله وييأس من روح الله، وقد ذم الله تعالى من يظن به السوء وتوعده على ذلك أشد الوعيد فقال تعالى: { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، موضحاً أن الله تعالى ، نهانا عن سوء الظن بإخواننا المسلمين لما فيه من إثم مبين وذنب عظيم، وأن مقتضى الأخوة الإيمانية أن يحسن كل منا الظن بالآخر، إلا إذا وجدت دلائل وقرائن ظاهرة غير قابلة للتأويل، فلو احتمل الكلام نسبة 99 % سوءاً، ونسبة 1 % حُسناً وجب علينا أن نرجح النسبة الضئيلة، ويجب أن نحمله على الخير، إذ المسلم مجبول على فعل الخير وتقديم الخير وحب الخير.

 

الإشاعة والاحتلال

 

أكد القره داغي أن الغرب لم يتمكن من احتلال بلادنا إلا من خلال إشاعة سوء الظن بين الأمة الإسلامية، فمثلاً حين كانت الخلافة العثمانية في أوج قوتها، وكانت عادلة مع كل من ينضوي تحت رايتها من الأجناس والأعراق، حتى استغل الغرب بعض ضعفاء النفوس، واستخدمهم عملاء لبث النعرات الطائفية، موضحاً أن هذا الاستغلال أدى إلى تفرق الخلافة العثمانية إلى دويلات، وتشرذمت إلى ولايات، وضعفت قوتها، ووهن منها العظم، واشتعل رأسها شيباً، وغدت لقمة سائغة للمحتلين، وخاب فأل العملاء حيث لم يحظوا بشيء، ولم يعودوا إلى أوكارهم إلا بخفي حنين.

وقال فضيلته: إياكم وسوء الظن، واتقوا الله واتقوا سوء الظن، فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه، والمنافق يطلب العيوب لخبث باطنه، وطهروا قلوبكم حتى تأمنوا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، داعياً في الوقت نفسه إلى الاجتهاد وتهذيب النفوس وتطهيرها، وأن نكون حسني الظن بالله وعباده، منوهاً بأن حسن الظن طريق التآلف والنجاح.;

شارك هذه المادة