السخرية والاستهزاء من الموبقات التي تهلك صاحبها وتحبط عمله

أيها الإخوة المؤمنون

أرسل الله تعالى هذا الدين ليكون مكملاً لكرامة الإنسان، مؤكداً لحقوقه وإنسانيته، ولذلك أولى العناية بكرامة الإنسان أي إنسان كان، ومنع الاعتداء على كرامة الإنسان في نفسه وماله ودمه وعرضه وعقله وكل مكوناته الإنسانية إلا بوجه شرعي، لأن الله تعالى خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وجعله خليفته في الأرض، وأوكل إليه مهمة إعمار الأرض، كما أوجب الله تعالى مقابلة إساءة الآخرين بالإحسان، حتى تضمحل العداوة من القلوب، وحتى تنطفئ نيران الكراهية والحقد والحسد.

إن السخرية والاستهزاء محرم بكل أشكاله وأنواعه، وهي كبيرة من الكبائر التي ورد فيها التهديد والوعيد، والتي اعتبرها الدين من الموبقات التي تهلك صاحبها وتحبط عمله، سواء كان الاستهزاء بالقول أو الفعل أو الإشارة، ويكون أشد تحريماً وكفراً بواحاً إذا كانت السخرية بالله تعالى بآياته وبرسوله صلى الله عليه وسلم { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } فلن تنفعهم معذرتهم يوم القيامة؛ لأنهم كفروا حين استهزؤوا.

كما أن السخرية والاستهزاء لا يقل سوءاً إذا كان بجماعة من الناس وبمجوعة تمس كرامة الإنسان ولا سيما إذا كان بأهل العلم والفضل والخير، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } فالسخرية بشعب أو قبيلة أو مجموعة من الناس جريمة عظيمة، وإثم مبين.

وإن مما يدل على تحريم السخرية والاستهزاء بكافة أنواعه وأشكاله، قوله تعالى: { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } والويل كما جاء في الحديث المرفوع:" الويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره."، وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما:" وادٍ في جهنم تستعيذ منه جهنم في اليوم سبعين مرة"، لما فيه من أنواع العذاب الشديد.

والهمزة هي الاستهزاء  بالآخرين عن طريق القول وإطلاق العبارات المسيئة، والكلمات الجارحة التي تخدش كرامة الإنسان، وتمس حقوقه.

واللمزة هي الاستهزاء بالآخرين عن طريق الإشارات، سواء في ذلك إشارة اليد واللسان والعين والجسد.

وكل من يستهزئ بالآخرين بأي وسيلة كانت هيأ الله تعالى لهم أشد أنواع العذاب، لأن السخرية لا تأتي إلا من استعلاء، حيث يرى المستهزِئ نفسه أعلى من المستهزأ به.

والسخرية فيها مجموعة من الذنوب والمعاصي ــ كما قال علماؤنا الأفاضل ـــ حيث تشتمل السخرية على الكبر والاستعلاء، وعلى ظلم الآخرين والاستهانة بهم، وعلى تفريق وتمزيق روابط الإخوة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"، فهل يمكن للإنسان أن يسخر من جزء من بدنه، فالناس أجزاء مكملة بعضها لبعض، يربطها أصل الخلقة، دون اعتبار للأحساب والأنساب.

ومن السخرية بالآخرين ما نعيشه اليوم من إطلاق عبارات مثل كلمة" رفيق " على الخدم والحشم وعلى الذي يخدموننا ويعيشون بيننا، ولا يراد بهذه الكلمة وسواها معناها الحقيقي، وإنما فيها انتقاص لحقوقه، وامتهان لكرامته وجهالة لهويته، والأقرب إلى التقوى أن ينادى باسمه، فإن لم يُعرف اسمه كان الأقرب إلى التقوى وحفظ الكرامة أن ينادي بالأخوة الإيمانية، أو الإنسانية، و لقد روى أصحاب السير أن الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ". وقرر أبو ذر الغفاري بعدها أن يضع خده على الأرض ليطأه بلال رضي الله عنهما، فما كان منهما إلا التصافح والعناق والتسامح، فهم في دين الله إخوة.

الجميع في نظر القرآن الكريم مسخر للجميع، والكل يكمل بعضه، ولا تستوي الحياة في طبقة واحدة دون الاستعانة بطبقات المجتمع الأخرى، ولكن بشرط أن تكون هذه الاستعانة مراعية لقيم الإنسان، وحافظة لحقوقه وكرامته، ولا يجوز أن تكون هذه الاستعانة سبباً في هدر الكرامة الإنسانية، وإن الله تعالى أكد ذلك في كتابه، وبين أن استقامة حياة الأغنياء مثلاً متوقفة على وجود فقراء يخدمونهم، وأن أمور حياة الفقراء متوقفة على وجود أغنياء يستخدمونهم، وهذا هو معنى كلمة { سُخْرِيًّا } في قوله تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } أي يكمل بعضكم بعضاً ويحقق له مسيرة حياته.

وكما قال علي بن أبي طالب في كتابه إلى عامله على مصر:" من معك في مصر، إما هو أخوك في الدين، وإما هو نظيرك في الإنسانية"، ولقد جعل القرآن الكريم الإنسان مسؤولاً عن القرابة العامة، وعليه أن يراعي حقوقها ويؤدي واجباتها، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} فالأرحام هنا هي أرحام الإنسانية، وكلنا من آدم وآدم من تراب.

يجب على المسلم أن يجسد هذه القيم النبيلة العظيمة التي جاء بها الإسلام، والتي تراعى كرامة الإنسان، وتحترمه وتصون حقوقه، ولا يجوز أن ينتهك هذه الحقوق بأي شكل أو نوع من أنواع الانتهاكات التي تسيء وتفسد الود وتقطع العلائق الاجتماعية، وتمزق وشائج الارتباط الإنساني والإيماني، "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ".

هذا هو الإسلام، إسلام الإنسانية، إسلام الاحترام، إسلام الكرامة، تكمن مشكلتنا في التطبيق، يقول الشيخ محمد عبده، بعد أن رأى الفرنسيين:" رأيت إسلاماً بلا مسلمين" وبعد عودته إلى مصر قال:" رأيت مسلمين بلا إسلام"، ولا نقصد مصر وحدها، فكل العالم الإسلامي أصبح صورة إسلام وشكله، بلا معنى ولا جوهر.

إسلامنا نظيف جميل قيمي، فأقيموه بين مجتمعاتكم وتخلقوا بأخلاقه تسعدوا في الدنيا والآخرة، وكنوا خير قدوة للآخرين بأخلاقكم تفلحوا، وتنالوا سيادة العالمين.

 

الخطبة الثانية

إذا كانت السخرية بهذا المكان من الإثم والمعصية والخطورة، حيث يصل بعضها إلى الكفر وذلك إذا كانت السخرية بالله تعالى وبآياته وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كانت السخرية محرمة بكافة أشكالها وأنواعها فإنها تكون أكثر جريمة وأعظم إثماً إذا كانت بالعلماء وأهل الفضل وأهل العلم.

واليوم ـــــ مع الأسف الشديد ــــــ ما تركوا حتى العلماء المستقلين الذين لا يشغلون وظائف في دولهم، وإنما يدعون الله تعالى على بصيرة، ويتحملون ما يصيبهم من الأذى مالياً ومعنوياً في سبيل الله تعالى، ومع ذلك تأتي مجموعة من الناس تسخر منهم وتستهزئ بهم وتصنفهم في مجموعات إرهابية، مثلها مثل داعش والقاعدة، ومثلها مثل أصحاب الفكر السلفي المتشدد، والذين سموا أنفسهم جماعة جهيمان السلفية المحتسبة.

كيف يجوز لبعض الدول التي تدعي أنها دول إسلامية، وأنها تقود المشروع السني أن تصنف مجموعة من العلماء الربانيين في سجونها، ولا جريمة لهم إلا السكوت عما تقوم به حكومات تلك الدول من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وكرامته، " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت"، مع ان واجب العلماء البيان، وليس السكوت.

رضي هؤلاء بالسكوت، وكان مصيرهم السجن، ودعا بعضهم بتآلف القلوب، فأودع غياهب السجون.

ولم يكتفوا بذلك في الداخل، وإنما صنفوا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يضم أكثر من 95 ألف عالم من علماء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها بجرة قلم في قائمة الإرهاب.

كيف ينصر الله أمة تستخف بعلمائها؟ وتحارب علماءها؟ هؤلاء العلماء هم الذين وقفوا ضد الإرهاب والتطرف الفكري، الذي كان سائداً في بعض هذه الدول، وقف هؤلاء العلماء ضد الإفراط والتفريط، ضد الفكر المتشدد المتمثل بالقاعدة وداعش، وضد الفكر المترخص والمتساهل، وقفوا ضد كل باطل، واعتبروا كل باطل ضداً لهم دون إفراط ولا تفريط.

يترتب على تصنيف هؤلاء العلماء في الإرهاب الاستخفاف والإيذاء وكثير من المشاكل، ولا سيما لمن يعيش ضمن حدود تلك البلاد.

كيف ينصر الله أمة بهذه الطريقة؟ وكيف تتصدى هذه الدول ـــــــ كما تدعي ــــ للمشروع الصفوي المتجسد في إيران؟

إيران تحترم علماءها ومرجعياتها، وقد استطاعت أن تجمع في حلفها لتحقيق مشروعها وهدفها الفرق الشيعية التي لا تؤمن ببعض عقائدها، مثل النصيرية التي لا تؤمن بالإمامية، ومثل الزيدية التي تعتبر أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة والجماعة.

إيران تحترم علماءها وتقدسهم، ونحن لا نريد تقديساً، ولكن هؤلاء يريدون أن يحاربوا إيران من خلال محاربة العلماء.

وهل حرب إيران تبدأ بالصداقة مع إسرائيل؟ وهل حرب إيران تبدأ بتصنيف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في قوائم الإرهاب؟

أي سياسة هوجاء ينتهجها حكومات هذه الدول؟

أخوف ما نخاف أن تكون هذه السياسات مقصودة لتدمير المنطقة وتفتيت قوتها، وأن تجلب على منطقة الخليج، المنطقة التي ترفل في ثوب الأمان والاستقرار دون بقية أصقاع العالم الإسلامي.

تاريخنا يقول لنا:" لا يمكن الوثوق بالغرب، فإن الغرب يرعى مصالحه، ولا يعير اهتماماً لغير ذلك"، هل سلم الغرب العراق إلى العرب والسعودية؟ وكذلك سوريا، واليمن، ولبنان.

نسأل الله تعالى أن يحفظ المملكة السعودية والخليج كله من هذه السياسات التي تفرق الأمة، وتمزق شملها، وتضعف قوتها، وتوقد فيها نيران الكراهية والبغضاء والحقد والحسد.

اللهم أصلح أحوالنا

1 / 12 / 2017م 

 

 

اللهم أصلح أحوالنا

17 / 11 / 2017 م

شارك هذه المادة