سنة التدافع

أيها الإخوة المؤمنون:

إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذا الكون سنناً ومن أهمها سنة التدافع والتي سماها الله سبحانه و تعالى بسنة دفع الله الناس بعضهم ببعض و هذه السنة التي تسميها الحضارات و الناس و العلماء بسنة الصراعات بين الحق وبين الباطل، بين الخير وبين الشر، بين الظلم و بين العدل، بين الطغاة المستبدين الظلمة و بين المستضعفين، هذا التصارع يسميه الله سبحانه و تعالى سنة التدافع، لأن عملية الصراع تدل على أن القضية تمشي دون تدبير إلهي بينما سنة التدافع تدل على أن هذه القضايا كلها تسير وفق قدر الله و لكن بأفعال الناس وبأخذ الناس بهذه الأسباب الخيرة او الشريرة، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى مبيناً بأن هذه الصراعات التي تسمى بالصراعات و بأن هذه المدافعات بين الحق وبين الباطل و بين الشر وبين الخير و بأن هذه الجولات التي ينتصر فيها الظلم أو الباطل او الشر أو الاستبداد أو هؤلاء الطغاة، إن هذه الجولات ما هي إلا لَبِنات في حد ذاتها لما يريده الله سبحانه و تعالى من الخير لهذه الأمة، و قبل أن أدخل في هذا الموضوع لو استحضرنا مع حضراتكم سورة يوسف لوجدنا أن كل محنة من هذه المحن وأن كل مشكلة من هذه المشاكل وكل مصيبة من هذه المصائب التي أصابت سيدنا يوسف كانت هذه المصيبة أو المحنة درجة و سلماً و سبباً لتحقيق التمكين لسيدنا يوسف. ولو لم يكن هناك مؤامرة من اخوانه عليه لما وصل يوسف إلى مصر،  وأن يصبح عزيزه مصر أي رئيس وزراء مصر، وإن هؤلاء القافلة لو كانوا طيبين لبحثوا عن أهله و لكنهم كانوا سيئين و اخفوه وأخذوه للبيع، ولو لم تكن عمليه البيع و الشراء لما وصل يوسف إلى مصر، وإن هؤلاء القافلة بعد أن وصلوا إلى مصر وبعدما لانت قلوبهم وقالوا بدلاً من بيع هذا الطفل الصغير ذو السبع أو العشر سنوات نتركه يعيش في هذه الارض يتكسب، لما وصل إلى ما وصل إليه، وإن إمرأة عزيز مصر لو كانت عفيفة و لم تحاول أن يقع فيها أو ما أشبه ذلك لما سجنته، وحينئذ لما دخل يوسف السجن ولما اقترب من الحكم ثم يهيئ الله سبحانه و تعالى شخصين يريان رؤيتين و يفسر لهما سيدنا يوسف واحد يصلب و الآخر يعود إلى ملكه فيسقيه الخمر، ويطلب منه أن يذكره، ولكن الله يأمر بأن ينسى، لأنه لو تذكره قبل هذه الرؤيا، و حيث أن الملك يقوم بالتحقيق لكي يفرج عنه، بعدها يتركه الله سبحانه و تعالى في السجن لأجل الوصول إلى هذه القضية وبعدما تشتد حاجة الملك بعد هذه الرؤيا الغريبة، (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لمن يفسرها حيث عجزوا عن تفسيرها لما احتاج الملك إلى يوسف وكان هذا وقت أن يتذكر هذا الشخص المسجون بعدما أطلق سراحه يا ملك إني أعرف رجلا كذا وكذا و إني نسيته و هو صادق و محسن .......إلخ، وحينئذ يفسر له يوسف وحينئذ يكون في مكانة كبيرة جداً و يقولوا ائتوا بهذا الرجل اجعله مستشارا لي، و لكنه لا يقبل بذلك لأنه لابد أن تتم تبرئته من السبب الذي أدخله السجن مع علمه بأنه بريء ولكن يجب أن يأخذ القضاء مجراه، و ينفذ الحكم على الجميع دون تفريق فرفض يوسف الخروج إلى أن تتم براءته  فجمع الملك النسوة ويشهدن له، (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ) فاستعصم، و حينئذ يظهر نظيفاً وجميلاً في وجهه كما هو جميل خلقه و جميل في وفائه للعزيز الذي كان قد أكرمه (إنه ربي) هذا أحد التفاسير أي إنه رباني ويربيني و أكرمني واحترمني فكيف أخونه في زوجته بالإضافة إلى خوفه من الله، وهكذا تسلسل المحن يؤدي الى تسلسل المنح الربانية وأي حلقة من هذه الحلقات فقدت لما وصل يوسف إلى عزيز مصر، هكذا الدنيا أيها الأخوة الأحبة و إن سوره يوسف نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم بعد ما توفت زوجته  خديجة و عمه أبو طالب و بعد ما طُرِد من الطائف وناله ما ناله، هنا نزلت هذه السورة فكأنما الله سبحانه و تعالى يقول لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم إذا كان يوسف قد أصابته هذه المصائب بسبب دعوته قد جعل الله له هذه المحن سلماً و درجه لرقيه ومنحه الربانية و أنت يا محمد تعمل  ليلاً ونهاراً في سبيل دعوتك وإن كل هذه المصائب هي لَبِناتٌ لتوصيلك إلى التمكين، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) فلذلك ارتاح الرسول صلى الله عليه و سلم بهذه السورة راحة كبيرة و فهم مقصدها تماماً،  ولماذا تنزل هذه السورة في هذا الوقت،

 أيها الإخوة الأحبة هكذا المؤمنون أيضاً أمام هذه المصائب سواء كانوا على مستوى الشعوب أو على مستوى الدول التي تلتزم بسنن الله سبحانه و تعالى وتلتزم بالأخلاقيات و القيم الإسلامية يحوّل الله سبحانه و تعالى لهم كل هذه المحن بإذن الله تعالى إلى منح ربانية وكما خجل أخوة يوسف و احتاجوا  إليه أشد الحاجه فإن هؤلاء الظلمة إنما يخجلون و إما يهلكون، فإن كانوا ظلمة مؤمنين فإنهم يخجلون  وإن كانوا ظلمة طغاة مستبدين فإنهم يهلكون فهذه هي سنه الله سبحانه و تعالى.

 قبل 100 سنه من الآن لم يكن هناك مسجد واحد في أوروبا الغربية و لكن ظلم الحكام وطغيانهم جعل المسلمون يهاجرون إلى هناك و يبنون المساجد حيث لا توجد مدينه إلا وفيها مسجد أو مساجد وإن أحد المختصين قد عمل دراسة ووجد أنه في كل دقيقه أو أقل يؤدى الأذان على طوال 24 ساعة ويمر دورة كامله من الشمال الى الجنوب و من الشرق الى الغرب، هذه سنه الله، و لكن المهم أن نعمل عملا صالحا و أن يكون إيماننا قوياً وإلا فالنتيجة بالنسبة لله سبحانه وتعالى مقضية أي حتميه و إذا قدر شيئا و قرر شيئا لا يمكن أن يخلف وعد الله سبحانه و تعالى.

 هذه السنه سنة التدافع من أعظم السنن التي نحن نغفل عنها و هذه السنة "التدافع أو الدفع" لا يراد بها أن يجلس المسلمون مستسلمين بل يجب ان يأخذوا جميع الأسباب لأن من سنن الله تعالى كذلك أن يأخذ المسلمون بسنة العقيدة و العبادات و سنة القوة المادية والمعنوية فالله سبحانه وتعالى جعل الكون يعيش (ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) والنتيجة: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، من هؤلاء الذين ينصرهم الله ؟ (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، و كلمة أقاموا الصلاة لا يقصد بها أداء الصلاة فقط بل إقامة الصلاة على مستوى الامة و تكون الصلاة شعيرة لوجودهم التي تشير الى أن هذه الأمة أمة عفيفة بعيدة عن الفحشاء و المنكر: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ)، (وَآتَوُا الزَّكَاةَ)و هذه إشارة إلى أنه يجب أن تكون هذه الامة امة متكافلة، وكذلك الأخوة الإيمانية اذا لم تترتب عليها حقائق لا قيمة لها ولذلك رب العالمين يقول للمنافقين و المشركين: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ)، فقد ربط الله سبحانه وتعالى الأخوة في الدين بإقامة المشاعر والانتهاء عن الفحشاء و المنكر وبنظام تكافلي يكفل بعضنا البعض، حينئذ تتحقق الأخوة الحقيقية.

 مشكلتنا اليوم نحن متخلفون تماما وكذلك بعيدون عن حقائق و جوهر هذا الدين وان كنا نصلي ونصوم ونزكي ظاهرياً، في بعض الاحيان قد لا نؤدي حقها، ولكننا لا نسير وفق مقتضيات الصلاة، فكم من مصلِ يصلي في المسجد و لكنه يأكل أموال الناس بالباطل و لا يغض البصر ويكذب و يرتكب الفواحش و غير ذلك، إن الغاية من الصلاة هي حمايه المجتمع وهذه الحماية تكون من الجانب الاخلاقي و الدين و الزكاة حماية من الجانب المالي و الاقتصادي و الاجتماعي.

لذلك اخوتي الكرام نحن مستبشرون وموعودون. و لكن هذا الوعد الحق من الله له ثمنه وله مقتضياته وله شروطه وله ضوابطه، و ان هذه الامة سيؤدبها الله سبحانه و تعالى بالمصائب و الآلام حتى تعود الى الله سبحانه و تعالى.

 لقد تم الوصول الى مجموعة من النتائج الجيدة عن الافكار الإلحادية و العلمانية والتي لم تحقق لهذه الامة الخير، و هذه حقيقة.

 اين الازدهار و القوه و النصر فالدول العربية التي طبقت فيها الشيوعية او البعثية او القومية المتطرفة او العنصرية بالعكس هؤلاء دمروا البلاد و العباد وايضاً تبين لنا ان النظام الاسلامي استطاع أن يحقق التكافل الاجتماعي وان القانون او الشريعة الإسلامية في انظمتها الحقيقية و ليس مجرد الحدود والتي  تأتي في الأخير لمجتمع متكافل ومتعاون ومترابط ومتوفر فيه جميع الشروط، و تطبيق الشريعة بجميع جوانبها حينئذ هو الذي يحقق الخير لهذه الأمة فهذه الأمة ستؤدب إلى أن تعود إلى رشدها، كما قال سبحانه و تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

 الخطبة الثانية:

 اخوتي الأحبة إذاً نحن في سنة التدافع نستحضر  حال الأمة، فإن الأمة في معظم قواتها وقادتها و لا أتكلم و عن الجميع إنما البعض وهؤلاء لم يدخلوا في سنة الدفاع بين الخير والشر وإنما وقفوا للأسف الشديد مع الباطل و الشر و الظلم و الاستبداد و مع اللاشرعية و الفتنة وق خصصوا مليارات الدولارات للقضاء على ما يسمونه الاسلام السياسي و لا يوجد ما يسمى بالإسلام السياسي فالاسلام واحد و شامل و كامل فقد ورد في صحيح البخاري حينما سأل المشركون سيدنا سليمان كيف تتدخلون في الحكم، فأجابهم إن حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم قد علمنا كل شيء من الدخول الى المرافق الصحية إلى أن نحكم العالم، فهو دين شامل،  فهذه الحرب الشعواء جعلت هؤلاء في صفوف الدفع الثاني مع الظلمة و ايضا نلاحظ ان كلمه الهلاك لا تأتي مع الكفر فقط بالهلاك للظلمة: (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ)،فجميع الآيات التي تتحدث عن هلاك تكون للظلمة الكفرة وغير الكفرة، فالظلم ظلمات ،والكفر بين العبد وربه يعذبهم الله في الدنيا و الآخرة،  و لا يوجد تفريق بين المسلم و الكافر في قضيه الظلم، و منهج الاسلام يقتضي ان نقاتل من يقاتلنا او يعتدي علينا.

من سنن الله تعالى ان تكون هناك اديان مختلفة وإن من قُتِل دون ماله وعرضه نفسه فهو شهيد، هذا هو الإسلام.

 وإن الصراع في فلسطين هي حرب ضد من احتلوا الارض باسم اليهود و طردوا أهلها و يريدون تحويل هذه الارض الى أرض لهم، وهذا هو جوهر الصراع و ما يسمى بسنة التدافع كيف ندافع وليس نهاجم ونأخذ حقوق الآخرين.

و لو كان للمسلمين قوة لحسبوا لهم الحساب و إن هذه القوة تكون للدفاع عن المسلمين و ليس للحرب و الارهاب كما يروج له الآن.

 

 

 

اللهم أصلح أحوالنا

2 / 2 / 2018م 

 

شارك هذه المادة