د. علي القره داغي : الترابي تفرد في الجمع بين العلم الشرعي والاجتهادات الفقهي والعمل السياسي

الشيخ الترابي كان صاحب سبق فكري حينما ربط بين الوحدة والحرية والاستبداد!

الترابي كان يحمل هموم أمته ، وقضية الحريات التي أولاها اهتمامه تستحق ما بذله فيها

الغرب لم يتقدم ولم يصل إلى ما وصل إليه إلاّ من خلال إصلاح النظام السياسي فأقامه على حقوق الإنسان

الترابي كان دقيقاً في هذه القضايا (......) عارفاً بفقه المآلات.

 

حاوره : من الدعوة عوض فلسطيني

ينحدر من محافظة السليمانية،( كردستان العراق-) ويشغل الآن منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ولد الدكتور على محيي الدين القره داغي (1368هـ/1949م، في منطقة قره داغ. ينحدر من أسرة علمية يرجع نسبها إلى الإمام الحسين، نهل من علوم عمه الشيخ نجم الدين القره داغي، والشيخ العلامة مصطفى القره داغي، وكوكبة من علماء مدينة السليمانية، ثم انتقل إلى بغداد وتتلمذ على أيدي كوكبة من علمائها. التحق بكلية الإمام الأعظم ببغداد وتخرج فيها بتقدير ممتاز، كان الأول على دفعته، ثم نال شرف الحصول على درجة الماجستير بامتياز، والدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبع رسالته وترجمتها إلى اللغات العالمية من كلية الشريعة والقانون في جامع الأزهر، التي جاءت تحت عنوان(مبدأ الرضا في الشريعة الإسلامية والقانون المدني). عمل رئيساً للمجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين المذاهب التابع لأسيسكو الذي يتبع  لمنظمة التعاون الإسلامي ونائباً لرئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ثم رئيــساً لقسم الفقه والأصول بكلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية بجامعة قطر (سابقاً) هو احد الفقهاء والمجتهدين والمجددين ومن قادة الحركة الإسلامية العالمية. حاورته الوان بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل العلامة والمجدد الشيخ الدكتور حسن الترابي وجالت معه في رحاب الفكر والسياسة واجتهادات الترابي

 

الترابي كان سياسياً محترفًا، وليس عالما منقطعًا للدين والدعوة كيف تنظر لتجربته السياسية في تطوير الحركة الإسلامية عامة ؟

حقاً كان الراحل د:حسن  الترابي رحمه الله (سياسياً عظيماً محترفاً جامعاً بين العلم والسياسة، والحكمة، فكان مرناً في المتغيرات وثابتاً وشامخاً مع الثوابت المحكمات، وقادراً على التعامل مع هذين الأمرين بحنكة سياسية ، وقدرة علمية ، فقد قاد الحركة الإسلامية في السودان أكثر من نصف قرن في ظروف صعبة ، ومتنوعة ومختلفة، واستطاع ان يطورها ويحركها نحو الأمام في أحلك الظروف السياسية، وفي ظل قيادات وحكومات مختلفة ومتنوعة وعندما تقرأ حركات الدكتور الترابي تجد فيها الجمع بين العلم الشرعي والاجتهادات الفقهية التي قد يختلف حول بعضها الناس وبين الجانب العملي الحيوي والسياسي وهذه ميزة قلما توجد في السياسيين.

 

كيف قرأت الشيخ حسن في كتاباته واحاديثه ؟

 

 كنت أحسُّ من خلال قراءتي لكتبه واستماعي لمحاضراته، وحواري الشخصي معه في جلساته حينما كان يشرفنا في قطر، أو عندما  كنت أسعد  بزيارته في السودان.. كنت أشعر أنه يحمل هموم أمته ، ولذلك عَصَرَ فكره في علاج أمراضها ، والارتقاء بها فأمام فرقة الأمة كتب كتابه الرائع  (قضايا الوحدة والحرية) في عام 1980 ، والجميل فيها أنه ربط بين الوحد والحرية، وأكد على أن الوحدة لا يمكن أن تتحقق في ظل الاستبداد والكبت والطغيان، وهذا سبق فكري في ذلك الوقت، ورد على من كان يظن بالوحدة القائمة على الجبر والقهر والقوة وأمام المشاكل الفكرية التي تعاني منها أمتنا الإسلامية.

وقد قرئت للترابي عدة كتب من أهمها (تجديد أصول الفقه) في عام 1981، و (تجديد الفكر الإسلامي في عام 1982 ، و) تجديد الدين) في عام 1984م وقد أحسَّ الأستاذ الترابي – وهو محق بذلك- أن الإشكالية الكبرى تكمن في المنهجية ، ولذلك كتاب كتابه (منهجية التشريع)  في عام 1987م، وفي التوازن بين السياسة والحكم كتب كتاباً بهذا العنوان كما أولى عنايته القصوى بتطوير الحرمة الإسلامية فكتب كتاباً رائعاً هادفاً في (الحركة الإسلامية ، التطور والمنهج، والكسب) وقد أعجبني فيه كثيراً تركيزه الشديد على الجمع بين  الإيمان وآثاره، والشعائر وتأثيراته ، فكتب لأجل ذلك كتابه الممتع (الإيمان وأثره في الحياة) وقد عالج معظم قضايا الأمة في كتبه الكثيرة ومقالاته ومحاضراته، بل حاول أن يجعل الحركة الإسلامية في السودان معبرة، ومحققة لآماله.

 

كيف تنظر إلى  غياب دكتور الترابي  وأثره على مسيرة العمل الإسلامي داخل وخارج السودان  ؟

الشيخ الترابي رحمه الله  كان له تأثير كبير على الحركة الإسلامية في السودان إذ كان يقودها فعلاً – كما سبق – كما كان له دور كبير أيضاً في الحركات الإسلامية العالمية، وفي العمل الإسلامي العام، فقد تربى على أفكاره وكتبه معظم العاملين والمثقفين الإسلاميين.

وأرى مستقبل التيار الإسلامي في السودان بعد رحيل الدكتور الترابي مبشر بالخير ، فسيتسمر عطاؤه ، وتزداد مشاركته ، لأن العمل الإسلامي في السودان ليس عملاً فردياً ، بل  عمل مؤسسي ، فيسيرون على منهجه العام في الإبقاء على الثوابت ، والاجتهاد المفتوح، فمنهج الدكتور الترابي هو التجديد والتغيير فيما فيه مجال للاجتهاد ، وليس منهجية التقليد حتى لذاته رحمه الله فأنصح إخواني وأخواتي على السير على هذا المنهج ، وليس على التقليد والثبات  على الجزئيات، فقد قال الله تعالى (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) [المدّثر : 37] ولم يقل (أو يتوقف) لأن التوقف في مجال النشاط والفكر الإنساني داخل في التأخر الذي لا يقبل به أي مجتهد أو مجدد

 

معروف عن الترابي أنه جمع بين  مفكر وسياسي هل في ذلك  تميز الترابي عن أقرانه؟

نعم هذا تميز الدكتور الترابي بامتياز ، وهذا ما يشهد به الجميع، فهو عالم ومفكر عظيم، وسياسي محنك قدير ، كما أنه كان مجاهداً ومناضلاً ومضحياً ، فجزاه الله خير الجزاء.

 

  كيف تنظر لتوظيف الترابي للديمقراطية في إطار الشورى ؟

كان  الدكتور الترابي يؤصل للشورى الإسلامية بضوابطها ، وتطويرها – من خلال الأخذ بالأدوات التي تحققها، كما هو الحال في الديمقراطية – لتكون أدق وأضبط من الديمقراطية واكثر انسجاماً مع أمتنا الإسلامية.

 لقد كانت قضية المرأة من القضايا المحورية في اجتهادات الدكتور حسن الترابي، حينما وجد أن هناك بوناً شاسعاً بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع و كتب الميراث الفقهي كيف تنظر إلى اجتهاداته في هذا المنحى؟

نعم كانت قضية المرأة قضية جوهرية حتى كتب فيها كتاباً رائعاً رائداً وهو كتابه (المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع) وهو كان محقاً في ذلك؛ لأن المرأة هي نصف المجتمع، وبها يتحقق(الزوج) الذي تقوم عليه الحياة والحضارة والتقدم، فإذا كان نصفه عاجزاً أو جاهلاً أو ...، فكيف ينهض النصف الثاني

الترابي كان متقدما جدا في الفقه السياسي والقانوني فقد كان يستهجن كلمة       ( الدولة المدنية) التي يرددها بعض الإسلاميين كان يبغضها ويرى أنها ليست سوى جسر للعلمانية ماذا تقول؟*

الدكتور الترابي كانت له نظرات رائدة ، واجتهادات هادفة، فكان يريد أن تكون الدولة إسلامية، ولكنه كان يرى أن ليس في الإسلام دولة دينية (ثيوقراطية). وكان دقيقاً في هذه الموضوع عارفاً بفقه المآلات.

عانى الشيخ حسن في حياته من اهتمامه بمسألة الحرية مطلقاً  في امر التدين والسياسة..؟

إن قضية الحريات التي أولى لها الدكتور الترابي عنايته القصوى، وكتب وحاضر فيها تستحق في نظري كل ذلك؛ لأنه بدون الحرية فقدت كرامة الإنسان (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)الإسراء (: 70)  وحينئذ إنسانيته ، ويترتب على ذلك عجزه عن الإبداع فالغرب لم يتقدم ولم يصل إلى ما وصل إليه إلاّ من خلال إصلاح النظام السياسي فأقامه على حقوق الإنسان ، ثم إصلاح النظام التعليمي فرحم الله المفكر العظيم والسياسي  المحنك والعالم والفقيه المجدد الدكتور حسن الترابي رحمة واسعة ، وحشره مع النبين والصديقين .

شارك هذه المادة