سياسة التيئيس

أيها الإخوة المؤمنون:

إن هناك مرضين خطيرين إذا استشريا في الأمة أوهنا عزمها، وشتتا شملها، وزادا من أمرها عسراً، إنهما " اليأس والقنوط".

والمراد باليأس: انقطاع الأمل من كل شيء، بحيث يصل الإنسان إلى درجة أن ينقطع رجاؤه من كل بصيص أمل، وينتهي أمله حتى من رحمة الله تعالى، وبذلك يصل إلى شفا جرف هارٍ هاوٍ به إلى الكفر.

وأما القنوط فهو أشد من اليأس، بحيث تظهر آثاره على الوجه، وتبين في ردة فعل الإنسان، وفي تصرفاته وسلوكه، حتلا يبقى الإنسان مستسلماً لكل المشاكل والمصائب والفتن التي تنزل بساحته، والتي تحيط به، ويشل فكره وعقله فلا يفكر في مخرج من تلك المصائب والفتن، ويفقد الأمل في كل شيء، وتتحول حياته إلى جحيم لا يطيقها.

ولكي يكون المسلم في حرز من هذه الحالة المزرية التي تعصف بكل قواه، حرم الله تعالى اليأس والقنوط، وأوجب عليه التفاؤل والأمل.

إن المؤمن مهما ادلهمت من حوله الحياة واسود وجهها، فإنه يرى من خلال ذلك السواد انبثاق أمل لا يخبو، ويدرك بإيمانه بالله تعالى أن الأزمات مهما اشتدت فإن الفارج لها الله تعالى، فلا يتسرب إلى قلبه يأس، ولا يتملك قنوط.

كيف يغشاه اليأس وهو دائم الصلة بالله تعالى؟ يتلو كتابه، ويتدبر آياته، ويطالع سيرة الأمم السابقة في القرآن الكريم، فيتعظ بعظاته، ويأخذ الدروس والعبر من سنن الله تعالى في تلك الأمم.

بل كيف يعرف اليأس والقنوط من يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعجبه التفاؤل؟ فقد جاء في الحديث الثابت:" لَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالَ وَالْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الطَّيِّبَةُ"[1].

وكيف يستسلم المؤمن لليأس والقنوط؟ ويرضخ لهذا المرض القاتل الفتاك، وهو يتلو في كتاب الله تعالى، الذي جعله الله دستور حياته، ومنهج سيرته، يتلو في القرآن الكريم، أن اليأس والقنوط من صفات الفكرة الذين لا حظ لهم في الدنيا، ولا خلاق لهم في الآخرة.

لقد وصف الله تعالى الكافرين باليأس من رحمة الله تعالى، والقنوط من روح الله تعالى في 18 آية، أما المؤمن فقد خاطبه الله تعالى بخطاب لذيذ رقيق يبلغ به شغاف قلبه، ويسكن فؤاده، ويثمر إقبالاً على الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[2].

وقد جاء الاستنكار على لسان نبيين كريمين، سيدنا إبراهيم وحفيده يعقوب عليهما السلام، قال تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[3]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}[4]. فأنى يسيطر اليأس والقنوط على المؤمن بعد هذا؟

إن المؤمن يتغلب على اليأس والقنوط من خلال إيمانه الراسخ، وعقيدته الثابتة بأن كل ما يجري في هذا الكون ما هو إلا تنفيذ لقدر الله تعالى، وما هو إلا ضمن مشيئة الله تعالى، وما هو إلا خير ادخره الله تعالى له في هذه المحن، وما عند الله تعالى خير وأبقى، يعلم لمؤمن أن الله تعالى عليم بحاله، بصير بأحواله، ويدرك أن في الفتن والمصائب تحقيق لمصالحه، فيجدد العزم مع الله تعالى، ويقبل عليه بجَنان ثابت، وعزم لا يلين، صابراً محتسباً حتى تزول الشدة.

غير أن الإنسان مجبول على الاستعجال {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}[5] يريد أن تنقشع عنه الفتن والمصائب بسرعة، دون أن تحقق الغاية من وقوعها، وينسى في بعض لحظات عمره أن المالك المتصرف في الكون كله، هو الله تعالى، فلا يكون شيء إلا بإرادته، وتحت مشيئته.

من أسباب اليأس:

أولاً: عدم الإيمان بالله تعالى، أصلاً، وهذا حال الكافرين الذين يئسوا من كل شيء من حولهم، فتاهوا في ميادين الحياة.

ثانياً: ضعف الإيمان في القلب، وهذا حال المنافقين الذين لا يرون في الفتن إلا نكد الدنيا وبؤس الحياة.

ثالثاً: الجزع، وعدم الصبر، وهذا قد يقع فيه بعض المؤمنين والمسلمين، ولكنهم سرعان ما يعودون إلى الله تعالى داعين وسائلين، غير مستسلمين لليأس والقنوط.

رابعاً: الاستعجال، وهذا طبع عامة الناس، ولكن المؤمن يعلم أن لكل شيء أمداً، ولكل كائن أجلاً، ويعتقد بأن لكل أمد انتهاء، فهو يسلم الأمر لله تعالى راضياً بقضائه وقدره، وما هي إلا أيام حتى تنهال عليه الخيرات، وتنجلي عنه الكربات.

نماذج في الصبر على الشدائد:

إن المتأمل في قصص القرآن الكريم ليجد أنها تحمل عبراً ودروساً، وتزرع أملاً في نفوس الأمة الإسلامية، ما ذكر الله تعالى تلك القصص إلا لتكون جذوة موقدة الأمل والتفاؤل في الحياة، أملاً بالله تعالى، وطمعاً في رحمته، وتفاؤلاً بالخير الذي من عنده.

إن قصة سيدنا يوسف مثلاً نبراس في هذا المجال، كم هو مؤلم أن يكيد به إخوته، وأن ينتزع من أحضان أبيه الرؤوف الشفوق، وأن يبعد عن وطنه ومرتع صباه، ثم أن يرمى في غياهب بئر لا يعلم ما فيه إلا الله تعالى.

وكم هو محزن أن تمر قافلة لا تعي مع الضفقة والعطف، فتأخذ هذا الحر الكريم، ثم تبيعه في سوق النخاسة بثمن بخس، دراهم معدودة.

وكم هو مؤسف أن يدخل هذا الفتى اليافع السجن، وأن يودع خلف القضبان ظلماً، لا ذنب له ولا جريرة، إلا إرضاء غرور امرأة العزيز.

ما كان في كل ذلك إلا خطوات عملية تهيئ سيدنا يوسف عليه السلام ليكون عزيز مصر، ولينقذ شعب مصر من محق وقحط وهلاك.

 كما أن في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نماذج عظيمة في تحمل الشدائد والصبر على البلوى، فلو لم يهاجر صلى الله عليه وسلم، ولو اقتصر في دعوته على أهله وعشيرته، من آمن معه رحب به وأدناه، ومن أعرض عن دعوته جفاه، ولو عاش في مكة أحب البلاد إلى الله تعالى، وأحبها إلى قلبه صلى الله عليه وسلم، لو كان كل ذلك لما وصلت الدعوة إلى بقاع الأرض، ولما أشرقت الدنيا كلها بنور الدعوة الإسلامية.

هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ليشع بتلك الهجرة هداية الله تعالى لمكة أم القرى وما حولها، وليعم الدعوة أرجاء الجزيرة العربية كلها، ولتصل أصداؤها إلى العالم كله.

إن اليأس من أكبر الكبائر، ومن الأمور المهلكة التي تجعل قلب الإنسان المؤمن قاعاً صفصفاً، لا ترى فيه إيماناً، ولا تبصر في سلوكه أملاً، قال صلى الله عليه وسلم: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ"[6]، فالمؤمن قوي بإيمانه، وكلما ضعف إيمانه ضعفت قواه، واستولى عليه اليأس والقنوط، يحطمان حياته، ويدمران شخصيته.

كما أن اليأس خطير على الفرد، فهو لا يقل خطراً على الأمة والجماعة والشعوب والدول، فإنها إذا رضيت به حكماً أهلكت وأبيدت، ولن تقوم لها قائمة.

ولقد ق{ات بنفسي وثائق كثيرة لأعداء الأمة الإسلامية، وجدت في معظمها أسباب تدمير الأمة الإسلامية، والآلية التي ينتهجونها في سبيل تحقيق ذلك، ولقد وضعوا عشرة أدوات أساسية، على رأسها سياسة التيئيس، أن تيأس الأمة من روح الله تعالى ورحمته، وبالتالي يسهل الاحتلال، ويبسط الاستغلال.

ولو نظرنا اليوم إلى عالمنا الإسلامي عامة، والعربي بخاصة لوجدنا أن بعضنا يساهم في تحقيق رغبة الأعداء فينا، ويبذل كل طاقاته لتدمير الأمة الإسلامية.

نجد أن بعض الحكومات تجود بسخاء وكرم وعطاء لا حدود له لأعداء الأمة ليأتي العدو فيعثو في بلادنا فساداً ودماراً وينتهك الأعراض والحرمات، وفي بلاد تلك الحكومات فئات من الشعب قد عض عليه الدهر بنابه، وأنهكه الفقر، وأدقعته الحاجة.

تنازل بعض العرب عن اللاءات الثلاثة، التي رفعوها يوماً ما في وجه العدو الصهيوني، واليوم تسارع إلى الصلح معه الصهاينة، واعتراف كامل بكل ما يحلم به العدو الصهيوني، حتى وصل بالبعض الأمر ان يمنح إسرائيل حقاً ما فكرت به إسرائيل يوما ما، وما كان موجوداً على أجندتها الاحتلالية، وقالوا: لهم الحق في القدس، ولربما كان هذا دافع أمل لإسرائيل لتطالب يوماً بتراثها في خيبر والمدينة.

أما عن التنازل فحث ولا حرج، وكل يوم تطالعنا وسائل الإعلام بانبطاح جديد، وتنازل جديد، ينسينا التنازلات السابقة.

إن أمتنا قادمة على خير، ولا يجوز لها أن ترضى باليأس وتقعد في القنوط، فإن ما يحدق بالأمة هو خير، يكشف زيف بعض بني جلدتنا، ويعري صدق إيمانهم بالله تعالى، ويفضح سرائر قلوبهم، فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وما يقوينا أكثر بكثير مما يضعفنا.

إن الأعداء لا يتوانون عن الكيد والتخطيط، ولقد قال زويمر في مؤتمر عقد قبل الحرب العالمية الأولى، ومؤتمر آخر عقد بعد الحرب العالمية الأولى، وقف زويمر أمام الحضور، وقال لهم: لا تستطيعون أن تحدثوا تغييراً في الأمة الإسلامية إلا بعد أن تبعدوهم عن مكة، الحج والعمرة، وعن الجمعة والجماعات، وأخرج مصحفاً وقال: وعن هذا الكتاب المقدس.

واليوم تحول الحج والعمرة إلى سياسة لا قبل للمسلمين بها، كما أن إبعاد الناس عن الجمعة أصبح سهلاً، حيث تغيرت نفوس الناس، وما يذهب البعض منهم إلى الجمعة إلا لإسقاط الفرض، ولا يهمه ما يكون في الخطبة من علم ومعرفة.

إن حالة أمتنا اليوم هي ذاتها التي أصابت بعض الأمم السابقة، حتى استيئس رسلها من إيمانها من كثرة طغيانها وتمردها، ولكن الله تعالى أرسل عليها بشائر الرحمة فآمنت وأسلمت، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}[7]، فأمة لا تموت، والمطلوب منها العمل، فإن لم تعمل، جاءها النصر، وتفوت الأمة على نفسها شرف المشاركة في تحقيق التمكين في الأرض.

وكذلك زلزل المجتمع بعد فتن شديدة، وكان فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم ييأسوا من رحمة الله تعالى ولا من روحه، فجاءهم النص المبين، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[8].

علاج اليأس:

  • تقوية الإيمان بالله تعالى، من خلال المواظبة على الذكر وتلاوة القرآن الكريم، والتخلق بأخلاق السلف الصالح.
  • حسن الظن بالله تعالى، من خلال أخذ الدروس والعبر من قصص الأولين.
  • الصبر، فإنه رغم مرارته إلا أنه يحمل في طياته بشائر لا تعد ولا تحصى.
  • الاقتداء بالأنبياء والمرسلين والصالحين، وقراءة سيرهم والاطلاع على أحوالهم.

هذا هو اليأس والقنوط وأخطارهما، وهكذا يوكن العلاج بإذن الله تعالى.

الخطبة الثانية:

كلما نظرنا إلى حال أمتنا نجد فيها حالات شبيهة بحالات الأمم السابقة، وكلما تأملنا في قدر الله تعالى وقدرته وسننه في عباده ازدادا إيماننا به سبحانه.

علينا أن نولي العناية القصوى بزيادة الإيمان بالله تعالى، وأن نبقى صامدين أمام السياسات الهوجاء التي تعصف بنا من كل حدب وصوب، ولا ينبغي علينا أن نستسلم ولا أن نقدم أي تنازل.

الإسلام وحدة متكاملة، عقيدة وشريعة ونظام حياة، فلا يجوز أن تفرط في أي شيء من ثوابتنا مهما كان الثمن، ولا بد أن نبين الحق، وأن تقف أمام الهجمات الشرسة التي تتوالى ضدنا في بقاع العالم الإسلامي.

سنصمد بإذن الله تعالى، فكلما قوي إيماننا ازداد صمودنا وثباتنا، فالإيمان يخلق الأمل.

أهم ما ترشد إليه الخطبة:

  1. الإيمان يخلق الأمل.
  2. لا يأس ولا قنوط مع الإيمان.
  3. المؤمن لا يستسلم لليأس والقنوط.
  4. طبع الإنسان أن يستعجل زوال الشدة.
  5. المؤمن يستفيد من قصص الأمم السابقة.
  6. لا يجوز التنازل عن أي شيء من ثوابتنا الدينية.
  7. كلما قوي إيماننا بالله تعال ازداد صمونا في وجه التحديات.
  8. كل المصائب والشدائد تحمل في طياتها منحاً إلهية لا تدرك إلا مع الأيام.

 

الجمعة 20 / 4 / 2018م

 


[1] رواه أحمد في المسند برقم 11769

[2] سورة الزمر، الآية 53

[3] سورة الحجر، الآية 56

[4] سورة يوسف، الآية 87

[5] سورة الأنبياء، الآية 37

[6] رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم 8784

[7] سورة يوسف، الآية 110

[8] سورة البقرة، الآية 214

شارك هذه المادة