(25) نجاح اي مشروع يحتاج خطة استراتيجية تنفذ بدقة (كتاب سيدنا يوسف عليه السلام قدوة للمسلمين في غير ديارهم)

إن نجاح أي مشروع لا يمكن أن يتحقق إلا من خطة استراتيجية ومرحلية تنفذ بدقة ، وهي تتطلب وضع الأهداف بدقة ، مع وضوح الرؤية ، بأتم الوسائل المؤدية إلى النجاح من توفير مستلزماتها من الموارد البشرية والمالية ، والصلاحيات والمسؤوليات ، وتحديد الزمن ونحو ذلك فحينما ننظر إلى قصة سيدنا يوسف ( عليه السلام ) وما بينه لإنقاذ مصر من مجاعة مهلكة ، نجد أن ما قاله وسجله القرآن الكريم يقوم على مجموعة من السنن والحقائق ، والآليات والأدوات والبرامج والتدابير المؤثرة ، من أهمها :

1ـ الاعتماد على خطة استراتيجية ، وخطة مرحلية

2ـ الأهداف الكبرى ، والأهداف المرحلية الصغرى

3ـ الأدوات والبرامج والمناهج ، وتحديد المسؤوليات

4ـ توفير الإمكانيات المطلوبة

5ـ المصارحة والمكاشفة

6ـ تحديد الزمن ، وتقسيم الخطة عليه

7ـ أولويات لكل مرحلة ، ووضع معايير لها

8ـ أهمية توافر عنصري الإخلاص( الحفظ والأمانة ) والاختصاص( التخصص والخبرة والتجربة الناجحة )

9ـ القدوة فقد ذكر أهل التفسير أن يوسف ( عليه السلام ) ما كان يأكل في اليوم الواحد من بداية السنوات السبع الخصبة ، ثم السبع الشداد إلا أكلة واحدة في وسط النهار ، وقد طلب من الملك ، والمسؤولين أن يطبقوا ذلك حتى يكونوا قدوة للشعب ، ففعلوا ، ولذلك استطاع أن يجمع من الحبوب أكثر مما يحتاجه الشعب المصري في السنوات السبع الشداد ، فباع الزائد للأقاليم المجاورة لمصر ، فكان يعطي لكل شخص ( صغيراً أو كبيراً ) حمل بعير لسنة ، ويطلب منهم الاقتصاد ويبين لهم بأن القحط سيظل طوال السنوات السبع    .

وهذه المقومات وغيرها تتوافر فيما ذكره القرآن الكريم عن سيدنا يوسف(عليه السلام )

أنموذج نبي الله يوسف "عليه السلام" في التخطيط :

  وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم قد ذكر لنا بالتفصيل أنموذجاً رائداً ورائعاً للتخطيط الاستراتيجي والمرحلي ، من خلال قصة نبي الله يوسف عليه السلام ، حيث لم يكتف عليه السلام بتفسير الرؤيا التي رآها الملك ، بل وضع خطة عملية لمدة خمسة عشر عاماً ، فأرشدهم بقوله :  ( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً )   أي متوالية متتابعة ، وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السبع السمان .

  وأمام ذلك طلب منهم الادخار والاحتفاظ بغالب زرعهم بصورة فنية ليوم الشدة وللسنوات العجاف فقال : ( فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ )   أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية ( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ)   وهذا دليل على أهمية الادخار والاحتفاظ بالغالب .

  ثم بين لهم مبررات هذا الادخار الكبير فقال : ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ)   ثم بين لهم ما بعد هذه السنوات العجاف فقال : (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)   أي يأتي بعدها عام رخاء فيه يغاث الناس بالزرع وتنمو كرومهم وأشجارهم وزيتونهم فيعصرونها عصائر وزيوتاً   .

  ولم يكتف يوسف عليه السلام بهذه الخطة ، بل وضع لها مستلزمات النجاح من العناصر القيادية والبشرية ، فطلب أن يكون هو المسؤول عن تنفيذ هذه الخطة بعدما نال ثقة الملك الذي تأكد من عفة يوسف وأمانته وبراءته وقال له : ( قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)   وهذا يدل على أن الخطة تحتاج إلى منح صلاحيات من ولي الأمر إلى المنفذ ، وإلى وجود ثقة مطلقة به ، وإلى توفير الموارد البشرية ، والمالية للتنفيذ ، حيث إن كلمة (مكين) تدل على تمكين الملك ليوسف بكل عناصر النجاح ، وأسباب التوفيق ، وإن كلمة (أمين) تدل على منح الثقة المطلقة إليه ، وعندئذ فقط قال يوسف للملك : ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)    فيوسف عليه السلام لم يطلب مباشرة ، وإنما بعدما عرض الملك عليه أمراً عاماً حيث قال : ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)   .

شارك هذه المادة