الإحسان الفريضة الغائبة

أيها الإخوة المؤمنون

إذا تدبرنا في كتاب الله المعجز، و في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المطهرة، و في السيرة العطرة لتوصلنا بوضوح إلى أن الله تعالى يريد أن يهيئ هذه الأمه لتحقيق العدالة و الخير للبشرية جمعاء، بل حتى للبيئة و الحيوانات، و لذلك حصر الله رسالة محمد صلى الله عليه و سلم في الرحمة، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}.

فالشهادة على الناس لأجل تحقيق العدالة لن تتحقق إلا إذا كانت هذه الأمه مؤمنة عادلة متخلقة بالأخلاق و القيم، وفي الوقت نفسه قوية من حيث العلم و الاقتصاد و الصناعة و التجارة، وهذا ما بينه القرآن الكريم من صفات الخيرية، قال تعالى:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولأجل هذه الأهداف وجه الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لتربية الأمة و تزكيتها للوصول إلى هذا المقام العالي المحمود، وهو مقام الإحسان الذي ذكره الرسول صلى الله عليه و سلم بعد الإيمان و الإسلام في حديث جبريل حين جاء يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.

ولكي تكون الأمة محسنة لا بد أن تأخذ بسن الله تعالى التي لا تحابي أحداً، والتي امرنا الله تعالى بالأخذ بأحسنها لتنتقل الأمة بين مدارج الحضارة والشهود الحضاري ولتحرز التقدم والازدهار، ولذلك وجه الله تعالى عقيلة الأمة ـــ أفراداً وجماعات ـــ نحو الأحسن ونحو الأفضل ونحو الأخير ونحو الإحسان، ولقد تتبعت بنفسي لفظ الإحسان والحسن ومشتقاتهما في القرآن الكريم، فأحصيت حوالي مئتي آية، وإذا أضفنا إليها كلمات أخرى مثل الخير ونحوه لوجدنا أن حوالي ألف آية توجه الأمة نحو عقلية الإبداع والأحسن في جميع مجالات الدنيا والعادات والاجتماع، وعقلية إبداعية ديناميكية متحركة لا ترضى إلا بما هو الأفضل.

ولقد تكررت آية في سورتي هود والملك بنفس الألفاظ، حيث يقول الله تعالى في سورة الملك، بعد ان تحدث عن الملك، وعن صناعة الحياة والموت، { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، أي ليبلوكم أيها المسلمون وليختبركم ليس بالأعمال العادية فقط؛ لأنها لا تنتج حضارة، ولا بالأعمال الحسنة؛ لأنكم لا تستطيعون التنافس فيها مع بقية الأمم، وإنما اختباركم يا أمة الإسلام بأحسن عملاً؛ ليبلوكم أنتم ومن يعيش معكم في الأرض من الأمم والشعوب، إذ سنن الله تعالى للجميع، ومن أخذ بأفضلها نجح ، وليختبركم أنتم وغيركم، ثم أنتم فقط داخل مجتمعاتكم من خلال الأفراد بالأحسن عملاً.

وكلمة أحسن تعني في فقه اللغة الأحسن دائماً، فهي للديمومة والاستمرار؛ لأنها نكرة غير متعينة، وهي عائمة، فأحسن العمل اليوم غير أحسنه أمس، وأحسنه غداً غير أحسنه اليوم، وقد ورد في بعض الآثار:" أن من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون".

والقرآن الكريم يؤكد على ذلك، حيث يقول الله تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}، ولم يقل: أو يتوقف؛ لأن التوقف داخل في التأخر، وهو الخطوة الأولى نحو التأخر.

الأمة المتقدمة هي التي تسير وتتحرك دائماً نحو الأمام في كل الأمور؛ في الصناعات وفي التجارات، وفي الزراعات، وفي الاقتصاد، وفي قوتها العسكرية وفي قوتها البدنية، وهذا هو محل الاختبار، وهو ما يسمى في لغة العصر بــــ"أحسن السيناريوهات" ولا سيما في الأخذ بالأحسن.

يعلم معظمنا أن كل أمر جديد حديث يقضي على القدي، ولقد عاصر أكثرنا إحدى شركات الاتصال في صناعة الهاتف الجوال، حيث كانت رائدة في ذلك حتى بلغ رأس مالها 43 مليار، ثم ظهرت شركتان جديدتان؛ إحداهما أمريكية، والأخرى كورية، وأحدثتا وأبدعتا فقضتا تماماً على الشركة الأولى الرائجة، حتى غدت نسياً منسياً، وآلت إليهما الريادة في مجال الرقميات.

قمة إسلامنا" الإحسان" وهي كلمة جامعة تشمل أربعة معانٍ، وهي:

المعنى الأول: الإتقان في كل عمل.                      

والمعنى الثاني: الرحمة والأخلاق.

والمعنى الثالث: التقوى، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

والمعنى الرابع: هو الإبداع والتجديد والإصلاح الذي من اجل ه جاءت الديانات السماوية كلها، وبخاصة الإسلام.

ومن على هذا المنبر المبارك أوجه ندائي إلى المسؤولين، وإلى أولياء الأمور، وإلى جميع المسؤولين عن التعليم وعن الإعلام، وإلى خطباء المساجد وإلى وزارة الأوقاف أن يحولوا ثقافة الأمة إلى ثقافة الأحسن بمعانيه الأربعة؛ التقوى والأخلاق والإبداع والإتقان، وبخاصة في مدارسنا، بدءاً من الروضة إلى الجامعة، حيث مصنع الرجال، وحيث بناء القادة والعلماء، وما أحوج أمتنا اليوم إلى إبداعهم في كل مجالات الحياة.

كما أدعو أولياء الأمور إلى أن يراعوا مواهب أولادهم، ويوجهوها نحو خدمة الأمة، وهذه إحدى مسؤولياتهم تجاه أبنائهم، ولا سيما في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا الإسلامية.

ولقد وجدت دراسة بريطانية تقول:" إن كل مولود سليم يولد ذكياً، والبيئة هي المسؤولة بعد ذلك عن تنمية ذكائه، أو قتل ذكائه".

وإن مما يؤسفنا أن لا نجد لأمتنا منبراً بين أمم الأرض في مجال الأحسن؛ لا صناعة ولا تجارة، ولا أخلاقاً ولا قيماً، حتى الأخلاق التي هي ميزة أساسية لهذه الأمة ضاعت وغدت هباءً منثوراً، تذروها عواصف التيارات الشرسة التي تكيد بالإسلام وأهله.

إن أمتنا اليوم تعاني على كافة الأصعدة، تعاني من التأخر والتخلف وضياع ما سميته" بالفرضية الغائبة" وهي الإحسان والإبداع، فهي بحاجة إلى تربية جديدة، وصياغة فكرية صحيحة، وإلا كيف يجوز لدولة بُنيَتْ على أسس الشريعة وعقلية التوحيد أن تسجن نحو 150 عالماً من علمائها المخلصين المصلحين، وأكثرهم من المبدعين كل في مجاله، وكيف تبرر النيابة العامة في تلك الدولة مطالبتها بإعدامهم تعزيراً، مع العلم أنه لا يوجد أساساً في ديننا ما يسمى بالقتل تعزيراً؛ إذ لا يباح دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الصيب الزاني، والقاتل، والمفارق لدينه، وصوناً للدماء وحقناً لها جعل الله تعالى وزر من أزهق روحاً بغير نفس أو فساد في الأرض بمثابة قتل الناس جميعاً.

فأين الأخلاق في هذا الحكم؟ وأين الدين في هذا الموقف؟

إن الإسلام يريد من هذه الأمة أن لا ترضى إلا بالقمة إيماناً وعقيدةً، وخلقاً وعلماً وعملاً، وإبداعاً في كل مجالات الدنيا، ولقد ركز القرآن الكريم من خلال توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته إلى تربية أفرادها على هذا الخلق، من خلال الآتي:

معية الله تعالى لمن اتقى وأحسن، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}.

ينال محبة الله تعالى المحسنون، قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

الجزاء الأوفى للمحسنين، قال تعالى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}.

رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، قال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.

والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة مستفيضة، يضيق المجال عن ذكرها.

علينا أن نبدأ مرة أخرى بتزكية نفوسنا وتهذيبها من شوائب الأخلاق، وأن نأخذ بهذه التربية الربانية والنبوية لهذه الأمة، وأن نتوجه نحو الإبداع والأحسن والأفضل لبناء حضارة إسلامية تدوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الخطبة الثانية:

 إن أمتنا بجميع اعتباراتها مسؤولة عن تربية الأجيال منذ نعومة أظفارهم على الجانب الأخلاقي والأدب والحضارة والإبداع، كما هي مسؤولة عن تعليمها على الدين وشعائره، حتى يكون أبناؤنا نجوماً يقتدى بهم في ميادين الحياة، وحتى يكون شموساً تنير لأهل الأرض دروب الحياة إذا أطبق الجهل والضلال.

كم نتألم حين نسمع او نرى أن أبناء الأمة يتسكعون في الطرقات، ويرتادون المقاهي، ويضيعون أثمن ما يملكون ـــ وهو الوقت ـــ في اللعب عبر تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي.

هذه هي مسؤولية الآباء والأمهات، والمعلمين والمسؤولين، كل في مقامه، ومن مكانه، حتى نربي جيلاً قادراً على صناعة الحياة في أبهى صورها، قادراً على درء الخطر بكافة أشكاله عن حياض الأمة، قادراً على النهوض بها إلى أعلى عليين.

إن أمتنا لا تموت، ولكنها قد تضعف، وهي باقية بحفظ الله تعالى لها، بشخصيتها الاعتبارية، وهي منتصرة ولا شك في ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" نحن لا نشك في نصر الله لنا، ولكننا نشك في نصرنا لله تعالى".

وقد يتخاذل بعض أفراد الأمة عن نصرتها، ولكن قافلة الأمة تبقى صامدة تسير بخطى واثقة، كما قال الشيخ عبد الكريم البخاري للأمير ألب أرسلان حين وجد في همته تراخياً عن مواجهة أرمانوس:" إن قافلة الدعوة تسير بك وبدونك، فلتكن لك شرف المساهمة فيها".

فليكن لنا شرف المساهمة جميعاً في تمكين هذا الدين من خلال الإحسان والأخذ بالأحسن.

اللهم أصلح أحوالنا

7 / 9 / 2018

شارك هذه المادة