الظلم

إذا تدبرنا القرآن الكريم وآياته بدقة وتفهم وجدنا أنه لا يوجد في القرآن الكريم شيء أشد خطراً، وأعظم ضرراً وأثراً من الظلم، حتى إن الله تعالى جعله مرجعية الشرك على الرغم من خطورة الشرك {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

كما جعل الله تعالى الظلم مرجعية الفساد والهلاك والدمار، وسبباً لكل ما يصيب الأمم من خراب وضلال وفرقة وتمزق، وما حقيقة الفتن والمصائب التي تحدق بالأمة من كل جانب إلا الظلم.

إذا قرأنا تاريخنا الإسلامي سنجد أن السبب الرئيس لكل ما أحاط بها من مشاكل ومصائب هو الظلم داخل الأمة وبين أفرادها، وأن ذلك كان سبب استغلال العدو لطاقات الأمة وثرواتها.

الظلم وهو الاعتداء والخروج عن الحق، وهو نوعان:

النوع الأول: الظلم في حقوق الإنسان، وذلك يكون إما أن يتعلق بدينه فيمنع من أداء مناسك دينه وشعائره التعبدية، وإما أن يتعلق بحقه في حرية الحياة والرفاهية، فيسلب منه هذا الحق ويُتعدى على حياته ورفاهيته، وإما أن يتعلق بفكره وعقله وتصوراته، فيمنع من حرية التعبير والتفكير والتصورات، وإما أن يتعلق بأمواله وحرية التملك، فيُسلب منه ماله، ويحجر عليه في التصرف والتملك، وإما أن يتعلق بعرضه وشرفه وكرامته وقيمته وإنسانيته، فيُعتدى على كل ذلك بالطعن في الأنساب وانتهاك الأعراض والإهانة والإذلال، وإما أن يكون الظلم متعلقاً بنكاحه وطلاقه وأسرته وزوجته، فتخترق قلعته وتهتك أسراره.

النوع الثاني: الظلم في حقوق الله تعالى، وذلك بالشرك والتعدي على حدود الله تعالى، وهذا النوع يبقى في دائرة العبد وربه، ومصيره أن يغفر الله ذلك لصاحبه إذا تاب وأناب.

إن سنة الله تعالى اقتضت أن تبقى دولة العدل و إن كانت كافرة، وأن تفنى دولة الظلم وإن كانت مسلمة؛ لأنه لا استقرار في الأرض مع الظلم، ولا حياة ولا أمن ولا ازدهار مع الظلم.

إن القرآن الكريم عالج الظلم وحرمه بكافة أكاله وأنواعه، ولقد أولى بذلك عناية قصوى من خلال 800 آية تتحدث عن الظلم ومشتقاته، مرة باسم الظلم، وأخرى باسم البغي، وتارة باسم العدوان، ليدل على تحريم الظلم وكل ما يوصل إليه.

قد يصيب بعضنا اليأس مما يرى من استمرار الظلم وتماديه على الأمة الإسلامية، وبخاصة من قبل دول استندت في فرض قوتها وسيطرتها على أعداء الأمة، ولكن ما يطمئن قلبونا أن تمادي الظلمة والظالمين هو من مكر الله تعالى بهم، وإن الله تعالى ليملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، وأخذهم أخْذ عزيز مقتدر.

لا تتصوروا أن يخرج الظالم من الدنيا قبل أن يفضحه الله تعالى على رؤوس الأشهاد، إلا إذا أصلح وتاب إلى الله تعالى وأدى المظالم إلى أهلها.

هل يغفل الله تعالى عن الحصار الجائر الظالم الذي فرض على هذا البلد، وعلى من يعيش على أرضه، الحصار الذي فرق بين المرء وزوجه، وشتت شمل الأسر، وضيع الحقوق، وبدد الألفة والمحبة، ومنع الآلاف من أداء مناسك الحج والعمرة؟.

إن الله تعالى لا يغفل عن ذلك طرفة عين، وإنه تعالى لهم لبالمرصاد، سيذيقهم من العذاب الأدنى في الدنيا، حيث يجعل ما أنفقوا من أموال في سبيل ذلك حسرة عليهم، يتوالى عليهم الخزي والعار، ويوم القيامة يذيقهم من العذاب الأشد {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.

كونوا على ثقة بنصر الله تعالى للمظلومين، بشرط أن نبتعد عن الظلم فيما بيننا، فأكثرنا ظالم لنفسه بالابتعاد عن الحق والصواب، وظالم لأسرته وبيته بإهمالهم وعدم رعايتهم حق الرعاية، وظالم لإخوته وأقاربه بترك التواصل معهم، وظالم لجيرانه بترك الإحسان إليهم، وظالم لمن جعلهم الله تحت أيديه من الخدم الشغالات بمنع حقوقهم، وظالم لمن يعمل معه بإخلاص وجد بعدم أداء الحق إليهم.

إن الظلم لا يهدي إلى خير، ومرتعه وخيم، وعاقبته أليمة، ولنا في قصص التاريخ ماضيه وحاضره لعبر ودروس، كم من ظالم ظن أنه خالد فيما هو فيه، طغى في البلاد، وأكثر فيها الفساد، ولكن الله تعالى كان لهم بالمرصاد، حتى إذا تمادوا ولم يرتدعوا صب عليهم سوط عذاب، فأفناهم عن بكرة أبيهم، وآذن بزوالهم وما يملكون.

يروي التاريخ أن جعفر البرمكي كان ذا سطوة وبطش في عصر هارون الرشيد وأبي جعفر المنصور، وطغى وظلم فأخذه هارون الرشيد وأودعه وولده السجن، فقال له ولده وهما في السجن: يا أبت ما الذي فعلناه؟ فقال: يا ولدي، إنه الظلم، وهذا السجن جزاء دمعة المظلومين.

يا بني كم من دمعات وقعت من أعين المظلومين، ونحن في شهوة الجاه وحب السلطان مغرورون، عن الله تعالى غافلون؟.

إن الله تعالى يروي لنا قصة عاد وثمود، وفرعون وقارون وهامان، وغيرها من القصص التي ذكرت في القرآن الكريم لنستفيد منها العبر والعظات، ولتزرع في أنفسنا الثقة بوعد الله تعالى بأنه يتربص بالظالمين، وثبيتاً لقلوب المسلمين، وبُشرى للمؤمنين الصادقين، وإن الله تعالى ليحمد ذاته العلية حين يفرح المسلمون بزوال الظلم وإهلاك الظلمة، قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

الخطبة الثانية:

إن الإسلام قائم على كفتين أساسيتين؛ الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة، أداء الواجبات وترك المنهيات، والوقوع في الحرام، وإن الخطباء يتلون في آخر خطبهم قول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فالجانب الإيجابي هو العدل والإحسان وإيتاء ذوي القربى، والجانب الآخر هو الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه أسوأ وأخطر أنواع الفحشاء.

والمسلم حريص أن يخرج من الدنيا وليس في رقبته مظلمة لأحد، وليس في عنقه حتى شبهة ظلم؛ لأنه يؤمن بالله واليوم الآخر.

إياكم الظلم والوقوع فيه، واتقوا الظلم بكافة أنواعه وأشكاله وألوانه، ولا تكونوا أعواناً للظالمين ولو بالدعاء لهم، قال يونس بن أسباط:" من دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه".

وقد قال خياط للحسن البصري:" أنا أخيط للظالمين أثوابهم، فهل أنا من أعوانهم؟ فقال: لا، بل أنت من الظالمين".

كونوا عادلين مع أنفسكم وأهليكم وأقاربكم، وذوي أرحامكم ومع خدمكم، وكونوا عباد الله المظلومين ولا تكون من الظالمين، ولا تركنوا إلى الظلم لا كبيره ولا صغيره، ولا تميلوا مع الظالمين وتكثروا سوادهم.

اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، واطلبوا الصفح ممن ظلمتموهم، وردوا الحقوق إلى أهلها، واستسمحوا ممن نهشتم عرضه، وتذكروا وقوفكم بين يدي ربكم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، تسعدوا في الدنيا وتفوزوا برضى الرحمن وكرامة الآخرة.

اللهم أصلح أحوالنا

الجمعة 19 / 10 / 2018

 

شارك هذه المادة