مرحبا بكم في الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور على محيي الدين القره داغي مصرف " وَالْغَارِمِينَ " وتطبيقاته المعاصرة
الموقع الإلكتروني الرسمي
فضيلة أ.د على محيي الدين القره داغي


التصويت

ما رأيك في التصميم للموقع
 

English Articles

Bioethics seminar adopts Qaradaghi’s proposal linking them to Shariah purposes

A bioethics seminar has recently adopted the proposal by IUMS Secretary General Dr. Ali Al-Qaradaghi linking the general principles of medical and biological ethics to the objectives of Shariah instead of the prevailing four principles.

 
Protecting the environment, inspired by faith

Interfaith leaders highlighted the important link between faith and good environmental stewardship at a seminar in the Qatar National Convention Centre. The seminar was presented by Muslim and Christian leaders, a leader from the Brahma Kumaris spiritual tradition and a scientific researcher from the Gulf Organisation for Research and Development.

 
Alqaradaghi: Objective journalism facing new challenges

Journalism is a noble profession and objective journalism is facing new challenges in the region, said Dr. Ali Muhiyudeen Alquradagi, the General Secretary of the International Islamic Scholars’ Union.



مصرف " وَالْغَارِمِينَ " وتطبيقاته المعاصرة PDF طباعة
بحوث في فقه الزكاة
الخميس, 02 تموز 2009 09:33



التعريف بالدية لغة واصطلاحا :

الدية - لغة –


  مصدر : ودي يدي دية ، وأصلها : وديا ، فحذفت الواو ، وعوض عنها بالتاء . قال الفيروزآبادي : " الدية بالكسر : حق القتيل ، وجمعها : ديات ، ووداه - كدعاه - : أعطي ديته " ، وقال ابن منظور : " نقول : وديت القتيل : إذا أعطيت وديته ، واتديت ، أي أخذت ديته ، وإذا أمرت منه قلت أد فلانا ، وللاثنين ، أديا ، وللجمع : أدوا " . وقال أحمد المقري الفيومي : " ودي القاتل القتيل يديه دية : إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس ، سمي ذلك المال دية تسمية بالمصدر .." هذا وقد ورد لفظ " دية " في القرآن مرتين.


الدية اصطلاحا ، وشمولها للنفس وما دونها :

و" الدية " وإن كانت تطلق في اللغة على بدل النفس فقط ، لكنها شاع استعمالها عند أكثر الفقهاء في بدل النفس ، وما دونها أيضا ، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ، فذكر أن الدية هي ما جعل في مقابلة النفس ، ولكن البخاري وغيره أوردوا تحت باب الديات ما يتعلق بالقصاص ، بناءا على أن كل ما يجب فيه القصاص فيجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل . وهذا ما ذهب إليه الجمهور من المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية ، في حين ذهب الحنفية إلى أن الدية إنما تطلق على سبيل الحقيقة على ما يقابل النفس ، وأن ما يقابل ما دونها سموه بالأرش ، حيث قال الحصكفي الحنفي : " الدية في الشرع اسم للمال الذي هو بدل النفس .. والأرش : اسم للواجب فيما دون النفس "[1] في حين صرح غيرهم بالتعميم فقال ابن حجر الهيثمي : " الدية شرعا : مال وجب على حر بجناية في نفس ، أو غيرها "[2] .ويقول ابن قدامة : " من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية ، وما فيه شيئان ففي كل واحد منهما نصف الدية "[3] ،ويقول ابن مفلح : " الدية وهي - في الأصل - مصدر يسمى به المال المؤدى إلى المجني عليه ، أو أوليائه كالخلق بمعنى المخلوق … كل من أتلف إنسانا ، أو جزءا منه بمباشرة ، أو سبب ، فعليه ديته "[4] ، وقد رجح القليوبي الشافعي أن " الحكومة " أو " الأرش " تسمى دية[5].

هذا ، وإن جماعة من الفقهاء قالوا : الدية في الحر ، والقيمة في العبد ، ونحوه ، بناء على أن الدية ثابتة محددة في النفس حيث هي مائة ابل ، أو ألف دينار على خلاف فيه وكذلك في الأعضاء حيث حدد لكل عضو ديته ، وأما العبد فإذا أتلف فالواجب فيه القيمة مهما بلغت ، وكذلك بقية الأموال ، في حين لم يوافق على ذلك في العبد آخرون[6].

والذي يظهر رجحانه هو إطلاق لفظ " الدية " على ما يقابل النفس وما دونها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق الدية على المال الذي يدفع في مقابل الجناية على الأعضاء في أكثر من حديث ورواية ، منها قوله : " دية أصابع اليدين ، والرجلين سواء ، عشرة من الإبل لكل أصبع " قال الترمذي : " حديث حسن صحيح .. "[7] وغيره حتى ترجم البخاري باب دية الأصابع[8]. ثم أن استعمال القرآن الكريم للدية بمعنى دية النفس لا يعني حصرها في بدل النفس ، بل هو استعمال لها في بعض أفرادها.

فعلى ضوء ذلك التعريف المختار للدية هو : أنها : المال الواجب بالجناية على الإنسان في نفسه ، أو ما دونها من الأعضاء.


وقولنا : " المال الواجب " جنس يشمل الأموال الواجبة بالجناية ، أو بعقد أو بغيرهما ، وقولنا :" بالجناية على الإنسان .. " خرج به المال الواجب بعقد ، أو بإتلاف شيء آخر عدا النفس وما دونها ، ثم إن هذا التعريف يشمل كل مال واجب بالجناية على النفس وما دونها سواء كان يجب مباشرة- كما في القتل الخطأ ونحوه- أو يجب بدلا عن القصاص فيما إذا كان الموجب القصاص ، ثم يسقط لأي سبب كان ، فيثبت بدله الدية . على خلاف وتفصيل في مدى اعتبارها بدلا أم لا ؟ لا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيهما[9].

ومن الجدير بالتنويه به هو أن " الدية " في الواقع هي بدل المتلف الذي يدخل في باب ضمان المتلفات ، ولكنها مع ذلك خصصها الشرع ببدل الإنسان : نفسه ، أو أعضائه ، أو قواه ، تنبيها على كرامة الإنسان ، وتخصيصا لما يتعلق بها بمصطلحات خاصة.


التعريف بالغارمين لغة واصطلاحا:

الغارمين جمع غارم ، وهو اسم فاعل من : غرم يغرم غرما ، مغرما ، وغرامة ، ويدور أصل معناه حول : الثقل، والهلاك، والشر الدائم، والعذاب اللازم، والحاجة الملازمة، والولوع، والخسارة، وأسر الحب أو الدين، ويطلق كذلك على الدية ، و نحو ذلك[10] . ويتعدى بنفسه فيقال : غرمت الدية ، أو الدين أي أديته غرما ومغرما وغرامة ، وبالتضعيف والهمزة ، فيقال : غرمته ، وأغرمته ، أي جعلته غارما ، وغرم في تجارته أي خسر فيها ، وأغرم بالشيء - بالبناء للمجهول - أي أولع به ، والغريم يطلق على المدين لما ذكر ، وعلى الدائن لأنه يلازم المدين ، قال الفيومي : " وهو الخصم ، مأخوذ من ذلك لأنه يصير بالحاجة على خصمه ملازما[11] ، قال ابن منظور : " والغرامة : ما يلزم أداؤه ، وكذلك المغرم .. والغرام قال ابن الأثير : هو جمع كالغرماء ، وقال ابن سيدة هو جمع : مغرم ، على طرح الزائد .. والغرام : الولوع بالشيء ..[12] كما جاء " المغرم " بمعنى التزام ما لم يلزم .


ورود " الغرم " ومعانيه في القرآن الكريم :


تكرر لفظ : الغرم " ومشتقاته في القرآن الكريم ست مرات ، وهي بلفظ " الغارمين " في قوله ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ..)[13] والمراد بالغارمين هنا : المدينون - وسيأتي تفصيله - وبلفظ " غراما في قوله تعالى : (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما)[14] قال الزجاج : " هو أشد العذاب ، وغراما : أي ملحا دائما ملازما ، وقال أبو عبيدة : أي هلاكا ولزاما لهم "[15] . قال الماوردي : " فيه أربعة أوجه : أحدها: لازما قاله ابن عيسى " ، ومنه الغريم لملازمته .. الثاني : شديدا ، قاله ابن شجرة ، ومنه سميت شدة المحنة غراما .. الثالث ثقلا ، قاله قطرب .. الرابع : أنهم أغرموا بالنعيم في الدنيا عذاب النار ، قال محمد بن كعب : إن الله سأل الكفار عن ثمن النعيم فلم يأتوا به ، فأغرمهم ، فأدخلهم جهنم "[16].


وبلفظ " مغرم " في قوله تعل " أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون "[17] أي دين ، وتكاليف ، أي قد أثقلتهم التكاليف ، فكأنهم مدينون بشكل قضت ديونهم على كل ما لديهم من أعيان[18]. وهذه الآية نفسها تكررت في سورة القلم الآية 46 ، كما تكرر لفظ " مغرما " في سورة التوبة ، وهو قوله تعالى : " ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر .. " قال الرازي " والمغرم مصدر كالغرامة ، والمعنى : أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرمة وخسران ، وإنما يعتقد ذلك ، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء ، لا لوجه الله .. "[19] وقال الماوردي : " فيه وجهان : أحدهما ما يدفع من الصدقات ، والثاني : ما ينفق في الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم : مغرما ، المغرم التزام ما لا يلزم .. " [20]، وورد بالجمع في قوله تعالى ( إنا لمغرمون ، بل نحن محرومون )[21] .

ال الماوردي : " فيه ثلاثة أوجه : أحدهما : لمعذبون ، قاله قتادة .. الثاني : مولع بنا ، قاله عكرمة .. الثالث : محرومون من الحظ ، قاله مجاهد .. "[22].



ورود " غرم ومعانيه في السنة :

  تكرر لفظ " غرم " ومشتقاته كثيرا في السنة ، ولا تخرج معانيه عن معانيه في اللغة ، منها ما رواه البخاري في قضاء رسول الله بغرة على من قتل جنين امرأة ، فقال الرجل : كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ..[23] أي كيف أدفع غرامته ؟ وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد : " يغرمون الدية بجيفته "[24] أي يدفعون الدية بدل أخذ جيفته ، فسمح لهم النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذلك ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " الزعيم غارم "[25] قال في النهاية : " الغارم الذي يلتزم ما ضمنه ، وتكفل به ، ويؤديه ،والغرم أداء شيء لازم .. "[26] ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " " اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم "[27] أي من الدين ، أو من كل ما يؤدي إلى غرامة .


ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم : " إذا كان المغنم دولا ، والأمانة مغنما ، والزكاة مغرما .. "[28] أي يشق عليهم أداؤها بحيث يعدون إخراجها غرامة ، وليس عبادة[29] . وغير ذلك.



أقوال المفسرين في : " والغارمين " :


قال الجصاص الحنفي : " لم يختلفوا أنهم المدينون ، وفي هذا دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم " فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير ، إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا للفقراء .. والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض ، وذلك ، لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة . فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مقدار مائتي درهم ، أو ما يساويها ، فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه ، وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه ، وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا فإن الصدقة تحل له ، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه "[30].

فعلى ضوء ذلك فالمعيار عنده في دفع الصدقات إلى الغارمين هو الفقر ، وهو في نظرته هذه ينطلق من المذهب الحنفي الذي جعل الفقر هو الأساس حتى بالنسبة للمجاهدين[31].


وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال ( في الغارمين ) : ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ، ولا تبذير فجعل الله لهم فيها سهما ، وإذا ذكر هؤلاء في الدين ، أنه من غير سرف ، ولا إفساد ، لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في الفساد ، فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد ، وروي كذلك عن مجاهد أنه قال : الغارم من ذهب السيل بماله ، أو أصابه حريق فأذهب ماله ، أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق عليهم فيستدين[32].


وقد رد الجصاص على هذا الرأي بقوله : " أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما ، لأن الغرم هو اللزوم والمطالبة ، فمن لزمه الدين يسمى غريما ، ومن له الدين أيضا يسمى غريما ، لأن له اللزوم والمطالبة ، فأما من ذهب ماله فليس بغريم ، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا "[33].

وقال ابن العربي المالكي : " وهم الذين ركبهم الدين ، ولا وفاء عندهم به ، ولا خلاف فيه اللهم إلا من أدان في سفاهة ، فإنه لا يعطي منها .. "[34].

وفسره الإمام الشافعي بقوله : " والغارمون : صنفان ، صنف دانوا في مصلحتهم ، أو معروف وغير معصية ، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد ، فيعطون في غرمهم لعجزهم . وصنف دانوا في حمالات ، وصلاح ذات بين ، ومعروف ، ولهم عروض تحمل حمالاتهم ، أو عامتها ، وإن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا ، فيعطي هؤلاء حتى يقضوا غرمهم "[35].

وأوضح ذلك الماوردي في تفسيره فقال : " وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه، فإن أدانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر ، وإن أدانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغني والفقر[36] ،مثله عند الرازي[37].

هذا وقد أسهب الطبري في ذلك فلا مانع من أن ننقل منه ما يوضح لنا المقصود حيث قال : " وأما الغارمون فالذين استدانوا في غير معصية الله ثم لم يجدوا قضاء في عين ولا عر ض ، وبالذي قلنا قال أهل التأويل " ثم روى بسنده إلى مجاهد قال : " الغارمون من احترق بيته ، أو يصيبه السيل فيذهب متاعه ويدان على عياله فهذا من الغارمين " ثم روى عن أبي جعفر أنه قال في تفسير الغارمين  المستدين في غير سرف ينبغي للإمام أن يقضي عنهم  من بيت المال ، وروى عن الزهري : أنهم أصحاب الدين ، وعن قتادة : أنهم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ، ولا تبذير ، ولا فساد ، وعن ابن زيد ، الغارم الذي يدخل عليه الغرم "[38].

وقال النيسابوري : " الصنف السادس : الغارمون ، قال الزجاج : اصل الغرم لزوم ما يستحق ، وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا لازما .، فالغارمون المدينون ، والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية ، لأن المعصية لا تستوجب الإعانة ، وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية ، سواء حصل بسبب نفقات ضرورية ، أو لإصلاح ذات البين وإن كان متمولا ، أو للضمان إن أعسر هو والأصيل ، وكل داخل في الآية .. "[39].

ومثل هذا ذكره القرطبي[40] ، وغيره من المفسرين[41].


بيان السنة للغارمين :

ولما كانت السنة النبوية المطهرة بيانا للقرآن الكريم ينبغي أن نستقصي بقدر الإمكان الأحاديث الواردة بهذا الخصوص ، وتطبيقات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا المضمار ، حتى تكون أحكامنا على بصيرة من الأمر .
فقد وردت أحاديث صحيحة وحسنة أكدت على أن الصدقة لا تحل إلا لعدة أصناف منها "الغارم" كما أنها لا تحل لغني ، ولا لقوي مكتسب[42]، كما روى مسلم ، وأبو داود ، وابن خزيمة ، وابن حبان بسندهم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها ، فقال : " أقم حتى تأتينا الصدقة . فنأمر لك بها " قال : ثم قال : " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ، ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوما من عيش " فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا "[43].
والمراد بالحمالة - كما قال السندي وغيره هو ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة - أي يتكفل مالا ويلتزم به في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين[44] وقال الصنعاني في تفسير الحمالة : " وذلك أن يتحمل الإنسان عن غيره دينا ، أو دية أو يصالح بمال بين طائفتين ، فإنها تحل له المسألة ، وظاهره وإن كان غنيا فإنه لا يلزمه تسليمه من ماله ، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة وإن كانوا أغنياء "[45].


إذا كان حديث قبيصة الصحيح قد فسر الغارمين الذين يجوز إعطاء الزكاة إليهم بمن تحملوا حمالات ، فإن حديثا آخر صحيحا أيضا فسرهم بمن كثرت ديونه بحيث استغرقت جميع أمواله وزيادة ، حيث روى مسلم في صحيحه والترمذي ، وابن ماجة بسندهم عن أبي سعيد الخدري قال : " أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه .."[46].


فهذان الحديثان يفسران بمجموعهما الغارمين الذين يدفع إليهم الزكاة ، ولكنهما يدلان كذلك على أنهم ليسوا مجرد مدينين ، وإنما مدينون إما نتيجة تحمل حمالة ، أو مصيبة ، أو جائحة ، ويمكن أن يلحق بهما دين مادام مفزعا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن المسألة لا تحل لغني ، ولا لذي مرة سوى إلا لذي فقر مدقع ، أو غرم مفظع .. " قال المباركفوريي "المفظع .. هو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد .. قال الطيبي : .. ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية         وكفارة "[47].


وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلق لفظ " غارم " على الكفيل والضامن فقال : " الزعيم الغارم[48] كما ورد في الحديث إطلاقه على الغرامة مطلقا ، وعلى غرامة الدية - كما سبق .


وهذا البيان الواضح من السنة دفعنا إلى إثارة السؤال التالي :


ما الحكمة في استعمال " الغارين " دون " المدينين ، أو المستقرضين " ؟

ما الحكمة في استعمال " الغارمين " دون المدينين ؟


إذا ألقينا نظرة على أساليب القرآن لوجدنا أن هناك حكمة في استعمال كلمة مكان أخرى ، فلا يستعمل كلمة مكان أخرى إلا لحكمة . ومن هنا فاستعمال كلمة            " الغارمين " مكان " المدينين " هي في نظري تعود إلى معنى " الغارمين " لا نجدها في " المدينين " وذلك لأن أصل اشتقاق " غرم " يعني الثقل ، والشر الدائم ، والعذاب اللازم ، أو التزام ما لم يلزم على عكس الدين الذي ينبئ عن الخضوع ، ثم شاع استعماله لغة فيما له ، كما أنه عام في إطلاق الفقهاء في كل ما يجب في ذمة الإنسان من الالتزامات بأي سبب كان ، حيث يشمل حقوق الله تعالى ، وحقوق العباد ، وأطلقوه على ما يثبت في ذمة الإنسان بسبب عقد ، أو استهلاك أو استقراض ، أو تحمل التزام أو نحو ذلك[49].


فعلى ضوء ذلك فاختيار " الغارمين " دون لفظ " المدينين " الدال على العموم والشمول ، دون لفظ " المستقرضين " الدال على خصوصية القرض إنما يدل والله أعلم على أن الغرم هنا ليس مطلق الدين ،وإنما هو دين خاص يأتي نتيجة التزام ما يلزم - كما في قضايا إصلاح ذات البين ، وقضايا تحمل الكفالات - أو نتيجة غرامة توقع عليه لأي سبب من الأسباب سواء كان بسبب فعل خطأ ، أو شبه خطأ أو نحو ذلك ، أو نتيجة ديون مفزعة بسبب جائحة أهلكت زرعه وماله ، كان قد استدان ليؤدي ديونه من غلته ، أو ثمرته . والخلاصة أن لفظ "الغارمين" لا يشمل جميع المدينين بالإجماع كما قال المفسرين ، فلا يدخل فيهم الأغنياء الذين استدانوا لمصالح أنفسهم ولهم أموال كثيرة تفيض عليها دون أن تؤثر في غناهم .


ومن هنا أفدنا من " الغارمين " فائدتين : أولاهما : كون المدين مفزعا كما عبرت عنه الأحاديث وحينئذ عدم شموله ،لكل دين . والثانية : ملاحظة كون ذلك غرامة والتزاما لما لم يلزم صاحبه أصلا ، وإنما التزم به لإصلاح ذات البين ، أو تحمل عن آخر لسبب مشروع ، أو كونه  من الفظاعة والقوة بحيث لا يقدر على حمله وحده / وإنما يحتاج إلى معونة وسداد من قبل أخوانه.


الحكمة في ورود " والرقاب " بعد " في " دون اللام :


إذا عمقنا النظر في أسلوب القرآن الكريم في توزيع الصدقات على مصارفها الثمانية لوجدناه قسم هذه المصارف إلى قسمين : قسم أدخل عليه لام الجر الدال على  التمليك أو الاختصاص ، وقسم أدخل عليه " في " الدال على الطرفين ، حيث يقول : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم "[50]. فقد رأينا أن الأصناف الأربعة الأول وردت بعد اللام والأربعة الأخيرة بعد " في " ، ولاشك أنه من المستبعد جدا من أسلوب القرآن أن يكون هذا التغير في حرفي الجر بدون حكمة وفائدة .


وقد تصدى بعض المفسرين لبيان هذه الحكمة منهم الزمخشري ، والرازي ، والنيسابوري وغيرهم ، يقول الزمخشري : " لم عدل عن اللام إلى " في " من الأربعة الأخيرة ؟ قلت : للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره ، لأن " في " للوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ، ويجعلوا مظنة لها ، ومصبا ، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة ، أو الرق أو الأسر ، وفي الغارمين من الغرم : من التخليص والإنقاذ .. "[51].


وأضاف العلامة أحمد بن المنير نكتة أخرى وصفها بأنها أدق وأعمق حيث قال " .. وثم سر آخر هو أظهر وأقرب ، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم ، وإنما يأخذونه ملكا ، فكان دخول اللام لائقا بهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم ، بل ولا يصرف إليهم ، ولكن في مصالح تتعلق بهم ، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون - بكسر التاء - والبائعون ، فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم ، وإنما هم محال لهذا الصرف ، والمصلحة المتعلقة به ، وكذلك الغارمون .."[52] حيث يصرف لدائنيهم ، ولا يصرف لهم ، والحاصل أن الأصناف الأربعة الأولى يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كيفما شاؤا ، وأما الأربعة الأخيرة فلا يصرف إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة من الصفات التي لأجلها استحقوا الزكاة . ويقول ابن قدامة : " وأربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا ولا يراعي حالهم بعد الدفع ، وهم الفقراء .. وأربعة منهم وهم الغارمون وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل فإنهم يأخذون أخذا مراعى ، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها ، وإلا استرجع منهم ، والفرق بين هذه الأصناف ، والتي قبلها : أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة ، والأولون حصل المقصود وهو غنى الفقراء والمساكين .. وإن قضى هؤلاء أي الغارمون ، ومن معهم حاجتهم بها وفضل معهم فضل ردوا الفضل إلا الغازي .. "[53].

وقد أشار الإمام الطبري إلى ذلك حيث قسم المصارف إلى قسمين ، أحدهما : سد خلة المسلمين ، وثانيهما : معونة الإسلام ، وتقويته[54]، وتبعه في ذلك صاحب المنار فقسمها إلى قسمين أيضا هما : الأشخاص والمصالح ، فالصنف الأول يملكونها تمليكا بالوصف المقتضي للتمليك ، ولذلك عبر عنه بلام الملك ، والثاني : مصالح عامة اجتماعية ودولية لا يقصد بها أشخاص يملكونها ، ولذلك عبر عنه بـ " في " ، فأداء ديون هؤلاء الذين تحملوا الضمان والغرامة والديات عن الناس تحقيق لمصلحة تتعلق بإصلاح ذات البين[55].

وإلى قريب من هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية[56].


الغارمون في عرف الفقهاء :


يذكر الفقهاء أحكام " الغارمين " عند كلامهم عن مصارف الزكاة ، وعند ذكرهم أحكام الدين من حيث الإفلاس ، ونحوه ولكن المتتبع لأساليبهم يلاحظ أنهم يكثرون إطلاق " الغارمين " في باب الزكاة ، ولفظي الدائن والمدين في باب الإستقراض .


وقد اتفق الفقهاء جميعا على أن المراد بالغارمين الذين تدفع لهم الزكاة : المدينون[57] ، ولكنهم اختلفوا في بعض التفصيلات ، ولذلك نسرد آراءهم من خلال مصادرهم المعتمدة لنعرف المتفق عليه ، والمختلف فيه .


قال الكاساني : " قيل : الغارم الذي عليه الدين أكثر من المال الذي في يده ، أو مثله أو اقل منه لكن وراءه ليس بنصاب[58] " هكذا عرفه لكنه أشار إلى ضعف هذا التعريف بقوله : " قيل : .. " فالغارم الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو المدين الذي لا يملك نصابا فاضلا عن دينه ، فعلى هذا فهو فقير ، لأن الفقير عندهم هو من لا يملك نصابا ، لكن الدفع إليه أولى من الدفع إلى الفقير غير المدين ، وذلك لأن القاعدة العامة عند الحنفية هي أن الفقر شرط أساسي في جميع الأصناف إلا العامل ، لأنه يأخذها في مقابل عمله ، وإلا ابن السبيل حيث لا يعتد بغناه في وطنه[59].

وأدخل بعض الحنفية في الغارمين : من له دين على الناس لا يقدر على أخذه ، وليس عنده نصاب ، ورد عليهم ابن عابدين بأن الغارم وإن كان لغة يطلق على من له دين لكن المراد به هنا هو المدين فقط وأما الذي ذكره فهو  فقير ويدخل في سهم الفقراء[60].

وقال الدردير : " ومصرفها .. مدين ، يعطي منها ما يوفي به دينه إن كان حرا مسلما غير هاشمي "[61] وقد اشترط المالكية أن يكون المدين مما يحبس فيه إذا لم يؤده ، ولذلك لا يعطي لمدين بدين الكفارات ، والزكاة ، وكذلك لابد أن لا يكون الدين قد أنفقه في فساد كشرب الخمر ، ونحوهما ، وكذلك لا يعطي لمدين استدان حتى يأخذ الصدقة ، كأن يكون عنده ما يكفيه لكنه توسع في الإنفاق بالدين لأجل أنه يأخذ منها ، فلا يعطي ، لأنه قصد مذموم للقاعدة القائلة " من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحر مائه " إلا إذا تاب في الحالتين فإنه يعطي على أحسن القولين عندهم ، ثم إن المدين إنما يعطي له عندهم إذا أعطى في دينه ما بيده من عين ، وفضلت عليه بقية ، ومن فضل غيرها -أي غير العين- كمن له دار تساوي مائة دينار ، وعليه مائة ، وتكفيه دار بخمسين فلا تعطي حتى تباع ، ويدفع الزائد في دينه ، فلو كان الفاضل يفي بدينه فإنه يعطي بوصف الفقر لا الغرم[62].


والشافعية فسروا الغارمين بمن غرم لإصلاح ذات البين ، وبمن غرم لمصلحة نفسه ، قال الشيرازي : " وهم ضرب غرم لإصلاح ذات البين ، وضرب غرم لمصلحة نفسه ، فأما الأول فضرب بأن : أحدهما : من تحمل دية مقتول ، فيعطي مع الفقر والغنى .. والثاني : من حمل مالا في غير قتل لتسكين فتنة ، ففيه وجهان :

 أحدهما : يعطي مع الغنى ، لأنه غرم لإصلاح ذات البين فأشبه إذا غرم دية مقتول ، والثاني لا يعطي مع الغنى ، لأنه مال حمله في غير قتل فأشبه إذا ضمن ضمنا في بيع .


وأما من غرم لمصلحة نفسه فإن كان قد أنفق في غير معصية دفع إليه مع الفقر ، وهل يعطي مع الغني فيه قولان ، قال في الأم : لا يعطي ، لأنه يأخذ لحاجته إلينا فلم يعطي مع الغنى كغير الغارم . وقال في القديم والصدقات من الأم : يعطى ، لأنه غارم في غير معصية فأشبه إذا غرم لا صلاح ذات البين . فإن غرم في معصية لم يعط مع الغنى . وهل يعطى مع الفقر ؟ ينظر فيه فإن كان مقيما على المعصية لم يعط ، لأنه يستعين بفعل المعصية ، وإن تاب ففيه وجهان ، أحدهما يعطي ، لأن المعصية قد زالت ، والثاني : لا يعطي ، لأنه لا يؤمن أن يرجع إلى المعصية.

ولا يعطي الغارم إلا ما يقضي به الدين ، فإن أخذ ولم يقض له الدين ، أو أبرئ منه ، أو قضى عنه قبل تسلم المال استرجع منه ، وإن ادعي أنه غارم لم يقبل إلا ببينة .. "
ويعطي كذلك لمن ضمن مالا في غير الديات يعطي له إذا كانا معسرين ، أو كان الضامن معسرا على الأصح[63].


وقد شرح النووي هذه النقطة بالتفصيل نقتطف منه الأهم حيث ذكر أن " الغارم " هو الذي عليه دين والغريم يطلق على المدين وعلى صاحب الدين ، وأصل الغرم في اللغة اللزوم ، وأن المراد بإصلاح ذات البين هو كما قاله الأزهري : إصلاح حالة الوصل بعد المباينة قال : " والبين يكون فرقة ، ويكون وصلا ، وهو هنا وصل " ومعناه أن يستدين مالا ، ويصرفه في إصلاح ذات البين[64].

وأما الحنابلة فقد فسروا الغارمين بما هو قريب عما ذكره الشافعية ، قال ابن مفلح : " الغارمون .. هم المدينون ، وهو ضربان : ضرب غرم لإصلاح ذات البين .. والمراد أن تقع بينهم عداوة وضغائن يتلف بها نفس ، أما مالا فيتحمل إنسان حمالة - بفتح الحاء - لإطفاء الفتنة ، وسكون النار التي كانت بينهم ، ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها ، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها ، وجعل لهم نصيبا من الصدقة ، وحديث قبيصة شاهد بذلك ، وظاهره : أن الغارم يأخذ وإن لم يحل دينه ، وإن كانوا كفارا ، وفي " العمدة " و " ابن تميم " ، و " الرعاية الكبرى " : من المسلمين  ، وضرب غرم لإصلاح نفسه في مباح كمن استدان في نفقة نفسه ، وعياله  ، أو كسوتهم .. ثم ذكر بأن الغارم لا يشترط تمليكه ، لأن الله تعالى قال : " والغارمين " ولم يقل للغارمين ، وكذلك يعطي من سهم الغارمين من تحمل بسبب إتلاف مال ، أو نهب أحد ، وكذا إن ضمن عن غيره مالا وهما معسران ، جاز الدفع إلى كل منهما[65].


أنواع الغارمين وحكم كل نوع وشروطه :

تطرق الفقهاء ، والمفسرين إلى أنواع الغارمين ، وحكم كل نوع بالنسبة لإعطاء الزكاة إليهم على خلاف بينهم ، فقد ذكروا أن الدين إما أن يكون لمصلحة نفسه ، أو لمصلحة آخر ، أو لمصلحة عامة .

وإذا كان الدين لمصلحة نفسه ، فإما أن يكون الدين في معصية أم لا ، وكذلك إما أن يكون مستغرقا لجميع أمواله ، أم لا.

وإذا كان الدين لمصلحة آخر إما أن يكونا معسرين ، أو موسرين ، أو أحدهما موسرا ، ومن ناحية أما أن يكون الضمان بغرامة دية أم لا ؟

وكذلك إذا كان الدين لمصلحة عامة أما أن يكون للمدين المتحمل أموالا أم لا ؟


فعلى ضوء هذا فالأقسام الرئيسية هي ثلاثة تتفرع منها عدة أنواع كثيرة فنحن نذكرها مع أهم تفريعاتها :

النوع الأول : الغارم لمصلحة نفسه وعياله ، كأن يستدين في نفقه نفسه ، أو من يعوله ، أو في زواج ، أو في علاج مرض ، أو بناء مسكن محتاج إليه ، أو نحو ذلك[66].



من أصابته كارثة :


يدخل في هذا النوع من فاجأتهم كوارث مدمرة ، ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم ، بسبب السيول ، أو الحريق ، أو نحو ذلك ، فقد قال مجاهد في تفسير قوله تعالى (وفي الغارمين ) : " الغارم من احترق بيته ، أو يصيبه السيل فيذهب متاعه ، ويدان على عياله " وفي رواية أخرى عنه " الذي يذهب السيل والحريق بماله ، ويدان على عياله " وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : " أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه " .

وقد ذكر حديث قبيصة - السابق ذكره - : من أصابته جائحة ضمن الثلاثة الذين يجوز لهم دفع الزكاة ، وروى الإمام أحمد بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الدين المشروع يشمل هذه الكوارث كلها ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعو الله لصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه ، فيقول : يا ابن آدم فيما أخذت هذا الدين ، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول : يارب . إنك تعلم أني أخذت فلم آكل ولم أشرب ، ولم أضيع ، ولكن على يدي إما حرق ، وإما سرق ، وإما وضيعة ، فيقول الله : صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم ..[67].


وكذلك ذكر أبو عبيد ما يدل على دخول هؤلاء في " الغارمين "[68].

والزكاة بهذا كما يقول أستاذنا القرضاوي تقوم بنوع من التأمين الاجتماعي ضد الكوارث ، ومفاجآت الحياة ، سبق كل ما عرفه العالم بعد من أنواع التأمين ، لكنه أسمى وأكمل وأشمل من التأمين الذي عرفه الغرب في العصر الحديث بمراحل ومراحل ، فالتأمين على الطريقة الغربية لا يعوض إلا من اشترك بالفعل في دفع أقساط محددة لشركة التأمين ، وعند إعطاء التعويض نلاحظ كمية المبلغ الذي أمن به .. أما التأمين الإسلامي فلا يقوم على اشتراط دفع أقساط سابقة ، ولا يعطي المصاب بالجائحة إلا على أساس حاجته ، وبمقدار ما يعوضه خسارته ويفرج ضائقته[69].



وتتفرع من هذا النوع عدة فروع :

الفرع الأول : إذا كان الغارم لمصلحة نفسه له مال بحيث يفي بديونه وزيادة تكفيه مع خلاف في تحديدها فإن جمهور الفقهاء على أنه لا يعطي له من سهم الغارمين ، وذهب بعض العلماء منهم الشافعي في قوله القديم ، وفي كتاب الصدقات - أنه يعطي.


وكذلك الأمر فيما لو لم يكن له مال بقدر الدين لكنه غني بالقدرة على الاكتساب حيث اختلفوا فيه الاختلاف السابق

وحتى تتضح أبعاد هذا الفرع بكل تفصيلاته عند المذاهب المعتمدة نذكر آراءهم بشيء من التفصيل :

فقد اشترط الحنفية في دفع الزكاة إلى الغارم أن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه ، أما إذا كان يملك ما يساوي دينه ، وزيادة ما يصل إلى حد النصاب من أي مال كان فإنه لا تعطى له ، لأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل الذي لا مال في وطنه ، وإذا كان ماله يفي لبعض ديونه ، فإنه يعطي له بقدر لا يصل معه إلى أن يكون له نصاب[70].

وعلل الجصاص ذلك بقول : " وفي هذا - أي في قوله تعالى : ( وفي الغارمين ) - دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ، وأردها على فقرائكم "[71] فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير ، إذا كانت الصدقة لا تعطى إلا الفقراء ، وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله كثير أنه لا زكاة عليه ، إذا كان فقيرا يجوز له اخذ الصدقة . ثم رد على الاستدلال بعموم الآية فقال : " والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض ، وذلك ، لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة ، ولم يجز في معطيه إياها وإن كان غارما ، فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مائتي درهم ، أو ما يساويها فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه ، وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه " .
غير أن الجصاص بين بأنه لا اعتداد بالقوة على الكسب في هذا المجال حيث يعطي للغارم حتى ولو كان قادرا على الكسب فقال : " وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا ، فإن الصدقة تحل له ، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه "[72].
واشترط المالكية أن لا يكون ما يبقى بعد الدين كافيا ، ولذلك تباع داره ويسكن بالكراء إلا إذا خيف عليه من الضياع ، وكذلك لو كان عليه أربعون دينارا ، وبيده عشرون دينارا فلا يعطى من الزكاة شيئا إلا بعد إعطاء العشرين التي بيده للغرماء فيبقى عليه عشرون فيعطى حينئذ ، ويكون من الغارمين ، وكذلك لو كان له دار تساوي مائة دينار ، وعليه مائة وتكفي دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع ، ويدفع الزائد في دينه ، ثم يعطى له بقدر ما يفي دينه ، قال الخرشي : " إن المدين لا يعطى شيئا من الزكاة لوفاء ما عليه إلا بعد دفع ما معه من العين للغرماء "[73].

وقد نبه الدردير على أنه لا يشترط إعطاء ما في يده بالفعل ، بل المدار على إعطائه منها ما بقي عليه على تقدير إعطاء ما بيده . وقال العلامة ابن الجلاب البصري " الغارمون : الذين عليهم من الديون بإزاء ما في أيديهم من المال ، فيجوز أن يدفع إليهم شيء من الصدقة وإن كانت لهم أموال ، لأن أموالهم ديون عليهم ، فإن لم تكن لهم أموال فهم فقراء وغارمون يستحقون الأخذ بالوصفين جميعا " [74].
وكذلك الشافعية على القول الأصح اشترطوا أن يكون به حاجة إلى قضائه منها ، فلو وجد ما يقضيه من نقد ، أو عرض فالأصح المنع ، قال النووي : " أن يكون محتاجا إلى ما يقضي به الدين ، فلو كان غنيا قادرا بنقد ، أو عرض على ما يقضي به فقولان مشهودان .. وأصحهما عند الأصحاب ، وهو نصه في الأم أيضا أنه لا  يعطى " [75] ثم قال : " فعلى هذا لو وجد ما يقضي به بعض الدين أعطي البقية فقط " ثم أوضح معنى كونه محتاجا فقال : " وأما معنى الحاجة المذكورة فعبارة الأكثرين تقتضي كونه فقيرا لا يملك شيئا ، وربما صرحوا به وفي بعض شروح المفتاح أنه لا يعتبر المسكن ، والملبس ، والفرش والآنية وكذا الخادم ، والمركوب إن اقتضاهما حاله ، بل يقضي دينه وإن ملكها ، وقال بعض المتأخرين لا يعتبر الفقر والمسكنة هنا ، بل لو ملك قدر كفايته ، وكان لو قضي دينه لنقص ماله عن كفايته ترك معه ما يكفيه ، وأعطي  ما يقضي به الباقي ، وهذا أقرب "[76].


واختلف فقهاء الشافعية في المدين الذي لا يملك شيئا ولكن يقدر على قضائه بالاكتساب حيث ذهب بعضهم إلى أنه لا يعطي كالفقير ، وذهب آخرون إلى أنه يعطي ، وقد رجح الرافعي والنووي هذا الوجه الخير حيث قالا : " وأصحها : لأنه لا يقدر على قضائه إلا بعد زمن " ثم ردا على قياسه على الفقير بأنه قياس مع الفارق ، لأن الفقير يحصل حاجته في الحال في حين أن المدين القادر على الكسب يكون على خطر حصوله على المطلوب[77].

وإنما الخلاف في الدين الذي لم يحل بعد حيث ذهب جماعة من الفقهاء - منهم الشافعية - إلى أنه لا يعطى ، لأنه غير محتاج إليه عند الدفع ، حيث لم يحن وقت أدائه ، وهو حينئذ ليس مضطرا لأدائه ، وقد يأتي له مال وفير نتيجة ارث ، أو أي عمل آخر فيصبح قادرا على أدائه من ماله .

وذهب رأي ثان اختاره وجه الشافعية إلى أنه يعطي ، لأنه غارم فيدخل في " الغارمين " .


وذهب رأي ثالث عليه وجه للشافعية إلى أنه إن كان الأجل يحل تلك السنة أعطي ، وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة[78].

والذي يظهر رجحانه هو القول الأول ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الغرم بكونه مفزعا ، والدين المؤجل الذي لم يحل أجله ، أو لم يقرب حدا لا يحتاج صاحبه إلى الصدقات ، وقد يسر الله له ، وأخذ الصدقات له ضرورة ، ولذلك ينبغي أن تقدر بقدرها ، هذا إذا كانت أموال الزكاة قليلة ، ويوجد محتاجون  أما إذا كانت كثيرة واستفاضت فانه يعطي لهؤلاء أيضا ، وذلك تطبيقا للقاعد الفقهية القاضية بالبدء بالضرورات ثم الحاجيات.



الفرع الرابع : المدين بدين الله تعالى :

لا خلاف بين الفقهاء إذا كان دينه دين العباد فإنه يعطى إذا توافرت الشروط المطلوبة أما إذا كان الدين دين الله تعالى كالزكاة ، والكفارات ، فإن المالكية[79] ، ذهبوا إلى أنه لا تدفع الزكاة لأداء ديون الله تعالى ، وإنما يعطى في دين العباد ، أو على حد تعبيرهم " في دين يحبس فيه " قال الخرشي : " ويشترط في هذا المدين الذي يأخذ من الزكاة أن يكون دينه مما يحبس فيه كحقوق الآدميين فإن كان الدين مما لا يحبس كالزكاة والكفارات فإنه لا يعطي من الزكاة شيئا لوفاء ذلك ".

وقال العلامة العدوي في شرح : " يحبس فيه .. " أي شأنه أن يحبس فيه فدخل دين الولد على والده ، فيدفع الزكاة للوالد يقضي بها دين ابنه .. "[80].

وأجاز الحنابلة اعطاء الزكاة لمدين بدين الله مثل الزكاة والكفارات ، وقالوا : " فدين الله كدين الآدمي بل هو أحق "[81].


النوع الثاني : الغارمون لمصلحة عامة ، أو كما قاله الفقهاء لإصلاح ذات البين ، فهؤلاء من أهل الخير والشهامة المروءة يتدخلون لإصلاح ما يقع بين قبيلتين ، أو قريتين من تشاجر في دماء وأموال ، فيتوسطون بالصلح بينهما ، وفي سبيل ذلك يلتزمون في ذمتهم مالا عوضا عما بينهم ، وقد يستدينون لهذا الغرض فعلا[82] ، يقول النووي في بيان هذا النوع : " ومعناه أن يستدين مالا ويصرفه في إصلاح ذات البين ، بأن يخاف فتنة بين قبيلتين ، أو شخصين ، فيستدين مالا ، ويصرفه في تسكين تلك الفتنة .. "[83].

وقد ألحق بعض الشافعية بهذا النوع من استدان لعمارة المسجد ، أو بناء قنطرة ، وقرى الضيف ،أو فك الأسير[84] ، ويمكن أن يلحق بهؤلاء من استدان لمشروعات اجتماعية خيرية نافعة كمؤسسة لأيتام ، أو مستشفى لعلاج الفقراء ، أو ما شابه من أعمال البر ، والخير مادامت الضرورة ، أو الحاجة تقتضي ذلك .

فهؤلاء الغارمون لمصلحة عامة يعطون الزكاة مع غناهم عند الشافعية[85] ، والحنابلة[86] ، والظاهرية[87] ، ومن معهم[88].

وقد فصل الشافعية في هذا النوع بعض الشيء وفرقوا بين الاستدانة ، أو غيره فقالوا : إذا استدان مالا وصرفه في تسكين الفتنة ينظر : فإن كان ذلك في دم تنازعت فيه القبيلتان ، أو غيرهما ، ولم يظهر القاتل ، أو نحو ذلك ، وبقي الدين في ذمته فهذا يصرف إليه من سهم الغارمين سواء كان غنيا أو فقيرا ولا فرق بين غناه بالنقد أو بالعقار وغيرهما،قال النووي"هذا هو المذهب به قطع العراقيون،وجماعة من خراسانيين،وقال أكثر الخرسانيين إن كان فقيرا دفع إليه وكذا إن كان غنيا  بلا خلاف ، فإن كان غنيا بنقد ففيه عندهم وجهان ، الصحيح يعطي ، والثاني لا يعطي إلا مع الفقر ، ولو كان غنيا بالعروض غير العقار فهو كالغني بالعقار على المذهب ، وقيل : كالنقد ذكره السرخسي في الأماني " .


وأما إذا كانت الاستدانة لإصلاح ذات البين في غير دم ، بأن تحمل قيمة مال متلف ، فوجهان مشهوران لدى الشافعية أصحهما عند أكثرهم أنه يعطي مع الغنى ، لأنه غارم لإصلاح ذات البين ، فأشبه الدم . الثاني لا يعطى إلا مع الفقر ، لأنه غرم في غير قتل ، فأشبه الغارم لنفسه[89].

وقد أجاز الحنابلة إعطاء الزكاة لهؤلاء الغارمين لإصلاح ذات البين ، حتى ولو كان ذلك لإصلاح ذات البين بين طائفتين من أهل الذمة ، وفي ذلك مدى السماحة التي يتمتع بها فقهنا الإسلامي ، كما صرحوا بأنه لا يشترط حلول الدين حيث يعطون وإن لم تحل ديونهم[90].

وذهب الحنفية[91] ، والمالكية[92] إلى أنهم لا يعطون مع غناهم ، وإنما حالهم حال الغارمين لمصلحة أنفسهم ، وتطبق بحقهم جميع الشروط من كون الدين مستقرا في ذمتهم ، وكونهم لا يقدرون على أدائها ، أو لا يبقى بعد أدائها من أموالهم إلا أقل من النصاب كما سبق.


وهذا يعني عدم الاعتراف بهذا النوع ، ولذلك لم تذكر كتبهم هذا النوع من الغارمين وإنما ذكرت : المدينين مطلقا الذين وقعت عليهم ديون ولا يقدرون على أدائها - على التفصيل السابق - بل إنها ردت على منهج الرأي الأول[93].



الأدلة والمناقشة والترجيح :


استدل الشافعية والحنابلة والظاهرية بما يأتي :

أولا : الكتاب ، حيث ذكر الله تعالى هذا الصنف ضمن قوله ( والغارمين ) وهذه اللفظة تشمل كل غارم سواء كان لمصلحة نفسه ، أو لمصلحة غيره ، وجاءت السنة المشرفة لتبين لنا أن من استدان لإصلاح ذات البين أو تحمل حمالة يدخل في سهم الغارمين كما سبق .


ثانيا : السنة المشرفة ، حيث وردت أحاديث صحيحة أن من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين يجوز دفع الزكاة له حتى ولو كان غنيا ، منها حديث قبيصة الصحيح ، حيث قال : " تحملت حمالة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها ، فقال : " أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " قال : ثم قال : " يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسالة حتى يصيبها ، ثم يمسك "[94].


والحديث نص في أن من تحمل حمالة يعطى من الزكاة بقدرها دون النظر إلى غناه ، حيث قال صلى الله عليه وسلم " فنأمر لك بها " أي بأداء حمالتك ، وقال : " حتى يصيبها " أي الحمالة ، وهي ما يتحمله الإنسان ، ويلتزم به عن غيره من دية ، أو غرامة ، قال السيوطي : " هي بالفتح : ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية ، أو غرامة ، مثل أن يقع حرب بين فريقين يسفك فيه الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتل ليصلح ذات البين "[95]. وقال السندي في حاشيته على النسائي : " قوله : " تحملت حمالة " بفتح الحاء : ما يتحمله الانسانعن غيره  من دية ،أو غرامة ، أي تكفلت مالا لاصلاح ذات البين ،قال الخطابي : هي أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ، ويخاف من ذلك الفتن العظيمة فيتوسط الرجل فيما بينهم ، يسعى في ذات البين ، ويضمن لهم ما يترضاهم بذلك حتى يسكن الفتنة"[96].


ومنها حديث أبي سعيد الخدري الصحيح الذي هو نص في الموضوع حيث يدل على جواز الزكاة إلى هؤلاء الغارمين وإن كانوا أغنياء ، ونصه : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، والعامل عليها ، والغارم .. "[97].


واستدل الحنفية والمالكية بما يأتي :

أولا : أن المراد بالغارمين في الآية هم المدينون الذين لا تفي أموالهم بديونهم ، أو لا يبقى بعد وفائها إلا شيء قليل على -التفصيل السابق- قال الجصاص : والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض أي هم المدينون الذين يصبحون فقراء بعد ديونهم ، ثم قال : " معلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء "[98].


ثانيا : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوى " ، في بعض رواياتها " .. ولا لذي مرة قوي " وفي بعضها " ولا لصحيح سوي ، ولا لعامل قوي " وفي بعضها " ولا حظ فيهما لغني ، ولا لقوي مكتسب "[99].
فالحديث نص في أن الصدقة لا تحل إلا لمدين يصبح بعد أداء دينه فقيرا .


المناقشة :


وقد ناقش الحنفية ومن معهم أدلة الشافعية ومن معهم ، حيث قال الجصاص : " ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء ، لأن الحمالة هي الكفالة ، والحميل هو الكفيل ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه من دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة لسائر الديون فلا فرق بين شيء منها ، فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم قدر على أدائها ، وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في سائر الديون "[100].


ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بسهولة ، حيث لا يسلم القول بالمساواة بين دين لمصلحة نفسه ، ودين لمصلحة عامة ، لوجود اختلاف جوهري بينهما ، ولو سلم ذلك لغة ، فإن الشرع قد جاء وفرق بينهما ، فحديث قبيصة الصحيح ظاهر في أن المسألة تحل لغني إذا كان قد تحمل حمالة ، حيث يعطى له بقدرها ، كما أن الحديث الثاني نص في أن الغني يعطى له مع غناه إذا كان غارما ، فلا ينبغي القول بالمساواة بينهما مع ثبوت تفرقة بينهما في السنة الصحيحة .



ويمكن أن نناقش أدلة الحنفية بما يأتي :

أولا : لا نسلم تخصيص الغارمين بالمدينين الذين يصبحون بعد أداء ديونهم فقراء لأحاديث السابقة .

ثانيا : أن هذا الحديث عام وقد خصص بالأحاديث الصحيحة الثابتة التي تدل على أن الزكاة تدفع إلى الشخص مع غناه في خمس أحوال منها حالة الغرم كما سبق . وقضية التخصيص واردة وشائعة ، حتى أصبح القول بأنه " ما من عام إلا وقد خص " شائعا منتشرا .


ومن جهة أخرى أن الحنفية ومن معهم أباحوا إعطاء الزكاة للعامل عليها حتى ولو كان فقيرا ، فبأي شيء خصصوا الحديث العام نخصص به .


وأيضا أن القول بأن الفقر هو المدار يؤدي إلى إلغاء التعدد في المصارف ، فلما كان الله تعالى ذكر ثمانية أصناف لابد أن نبقي كل صنف على استقلاله .



الترجيح :


وبعد هذه المناقشة التي تبين فيها ضعف أدلة الرأي الثاني وعدم قدرتها أمام المناقشة ، وقوة أدلة الرأي الأول لا يسعنا إلا أن نرجح رأي الشافعية والحنابلة والظاهرية ، بالإضافة إلى أن القول به يتمشى وروح الإسلام ، ويحقق المعاني النبيلة التي يريد من خلالها الإسلام الإبقاء على روح الشهامة والنخوة الإسلامية ، والتشجيع لإصلاح ذات البين ، حيث أمر الله تعالى بذلك فقال : " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم "[101]  ، فإذا كان الإسلام يعطي لقضاء ديون بسب مصالح فردية من نفقة ونحوها فمن طريق أولى يكون الإنفاق من الزكاة لهؤلاء المدينين لإصلاح ذات البين ، وإطفاء نار الفتنة ، وإسكان الثائرة ، فهم بأعمالهم قد فعلوا معروفا - فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين ، أو يوهن عزائمهم "[102] .


 


  1. الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ، ط. دار احياء التراث العربي ببيروت (5/368)

  2. تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي (8/451)

  3. المغني (8/1)

    المبدع في شرح المقنع /ط . المكتب الاسلامي (8/327)

  4. حاشية القليوني على المحلي على المنهاج ، ط. عيسى الحلبي (4/129) والحكومة هي - كما ثقال البيضاوي في الغاية بتحقيقنا (2/907) : " جزء من  الدية ما نقص من القيمة بفرض الرق بعد الاندمال إن بقي نقص ، والأرشش هو دية الجراح ، أو ما يلاحظ فيه القيمة قبل التعيب ، وبعده

  5. يراجع : حاشية الدسوقي ( 4/244) ، والمحلي ( 12/417 ) والمصادر السابقة

  6. الحديث رواه أحمد والترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ويراجع سنن الترمذي - مع شرح التحفة - كتاب الديات ( 4/648 ) ، مسند أحمد ( 1/289 ) وسنن أبي داود - مع العون - الديات ( 12/300 - 309 )

  7. صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الديات ( 12/225 ) ، وأحمد ( 2/535 ، 5/327)

  8. يراجع المصادر الفقهية السابقة وغيرها في بابي القصاص والديات

  9. القاموس المحيط  ص ( 1475 ) ومختار الصحاح ، ط. طبعة مصر ص (473) والمصباح المنير ( 2/98 - 99 )

  10. المصباح المنير ( 2/99 ) وفي اللسان ص ( 3247 ) : " ولأنه يطب حقه ويلح حتى يقبضه "

  11. لسان العرب ص ( 3247 )

  12. سورة التوبة الآية 60

  13. سورة الفرقان الآية / 65

  14. لسان العرب ص ( 3447 )

  15. النكت ، العيون / المسمى : تفسير الماوردي م ط. الكويت ( 3/163 - 164 )

    سورة الطور ، الآية 40

  16. تفسير الرازي ( 28/265 )

  17. تفسير الرازي ( 6/167 )

  18. تفسير الماوردي ( 2/159 )

  19. سورة الواقعة الآية 66 - 67

  20. تفسير الماوردي(2/159)

  21. صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الطب ( 0/216 )

  22. مسند أحمد ( 1/27 )

  23. رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي ، وفي سنده اسماعيل بن عياش لكنه رواه عن شامي، وروايته عن الشامين مقبولة ، وصححه ابن حبان يراجع : مسند أحمد ( 5/267 ، 4/206 ) وسنن أبي داود - مع العون - ( 9/476 ) وابن ماجه ( 2/804 ) والسنن الكبرى ( 6/72 ) وتلخيص الحبير ( 3/47 )

  24. تحفة الأحوذي ( 4/482 )

  25. صحيح البخاري

  26. رواه الترمذي بسند فيه مقال . في سننه ، كتاب الفتن - مع رشح التحفة (6/456 )

    تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ( 6/454 )

  27. أحكام القرآن ، ط، دار الفكر / القاهرة ( 3/126 )

  28. مختصر الطحاوي ، ط. دار الكتاب العربي بالقاهرة ص (52)

  29. أحكام القرآن للجصاص ( 3/126 - 127 )

  30. أحكام القرآن للجصاص ( 3/126 - 127 )

  31. أحكام القرآن لابن العربي ( 2/986 )

  32. أحكام القرآن للشافعي ( 1/1166 ) وراجع : الأم ( 2/61 )

  33. تفسير الماوردي ( 2/148 )

  34. تفسير الرازي ( 6/112 )

  35. تفسير الطبري ، ط. دار الفكر ( 10/114 )

    تفسير غرائب القرآن المطبوع بهامش الطبري ، ط. دار الفكر ( 10/111/112)

  36. تفسير القرطبي ، ط. دار احياء التراث العربي ( 8/183-185 )

  37. راجع : تفسير ابن كثير ، ط. الأندلس / بيروت ( 3/414 )

  38. يراجع : سنن الترمذي - مع شرحها تحفة الأحوذي - كتاب الزكاة ( 3/316 ) ، وابن ماجة / كتاب الزكاة ( 1/589 ) وسنن أبي داود - مع شرحها عون المعبود (5/42) ومجمع الزوائد ( 3/92 ) ويراجع :نيل الأوطار ط. الأزهرية ( 5/220 ) وسبل السلام ، ط. دار الجبل ( 2/634 )

  39. صحيح مسلم ، كتاب الزكاة ( 2/722 ) وأبو داود - مع العون - كتاب الزكاة (5/50) والنسائي ، كتاب الزكاة ( 5/88 ) والدارمي ، كتاب الزكاة ( 1/334 ) وأحمد ( 3/477 ، 5/60 ) والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان الحديث ( 3386 - 3387 )

  40. نيل الأوطار ( 5/221 ) وحاشية السندي على النسائي ( 5/89 )

  41. سبل السلام ( 2/634 )

  42. رواه الحاكم وصححه ، وقال : هذا حديث صحيح علر شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي على ذلك ( 1/408 ) وعبد الرزاق في مصنفه ( 4/109 ) الحديث 7151 ورواه أبو داود - مع العون - كتاب الزكاة ( 5/44 ) . وابن ماجه كتاب التجارات ( 1/590 ) وأحمد ( 3/114 ، 127 ) ، وقال النووي في المجموع (6/206) : الحديث حسن ، أو صحيح ، حيث روى بطريقتين "

  43. تحفة الأحوذي ( 3/318 ) ، ويراجع : غريب الحديث لأبي إسحاق المربي ( ت 285 ) ط. جامعة أم القرى ( 3/1074 )

  44. سبق تخريجه

  45. يراجع في تفصيل ذلك : بحثنا بعنوان : مشكلة الديون ، المنشور بمجلة كلية الشريعة بقطر ، العدد 5 ص ( 228 ) ، مصادره المعتمدة

  46. سورة التوبة الآية 60
  47. الكشاف / طبعة دار المعرفة ، بيروت ( 2/197 )
  48.  الانتصاف - المطبوع بهامش الكشاف - ط - دار المعرفة ( 2/197 )
  49.  المغني لابن قدامة ( 2/670 - 671 ) ويراجع : مجموع الفتاوى لابن تيمية (25/40)
  50. تفسير الطبري في تفسير هذه الآية ( 10/112 ) ط. دار الف

    تفسير المنار ، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب ( 10/436 )

    راجع : مجموع الفتاوى ، ط. السعودية ( 25/40 )

  51. رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، ط. مصطفى الحلبي ص (90) والإفصاح لابن هبيرة ص ( 226 ) وتفسير القرطبي ( 8/183 )

  52. بدائع الصنائع ، ط. زكريا يوسف ( 2/906 )

  53. الفتاوى الهندية ، ط. دار إحياء التراث العربي ( 1/188 ) ، وحاشية ابن عابدين ، ط. دار إحياء التراث العربي ( 2/61 ) والفتاوى البزازية بهامش الهندية ( 4/58 )، وفتاوى قاضيخان بهامش الهندية ( 1/266 )

  54. حاشية ابن عابدين ( 22/61 ) ، الفتاوى الهندية ( 1/188 )

  55. الشرح الكبير على المختصر للدسوقي ، ط. عيسى الحلبي ( 496- 497 ) وشرح الخرشي على المختصر ط بولاق ( 2/218 ) وقال : " والمراد بالمدين هنا الذي عليه للغرماء من الآدميين الذين يتخاصون فيه في الفلس ، فتخرج حق الله تعالى كالزكاة والكفارات ، ولا فرق في المدين بين كونه حيا أو ميتا " . وراجع تبين المسالك لترتيب السالك إلى أقرب المسالك ، د. دار الغرب الإسلامي ( 1/119 )

    المصادر السابقة .. بلغة السالك ، ط. الحلبي ( 1/491 - 492 )

  56. المهذب مع شرحه : المجموع ( 6/205 - 211 ) وروضة الطالبين ، ط. المكتب الإسلامي (2/317 ) والمنهاج مع شرحه المحلي / ط. عيسى الحلبي ( 3/197 ) والغاية القصوى ، ط. دار الإصلاح ( 1/393 )

    المجموع ( 6/206 - 209 )

  57. المبدع ، ط. المكتب الإسلامي ( 2/421 ) ، والكافي ، ط. المكتب الإسلامي (1/ )

  58. فقه الزكاة لفضيلة الدكتور القرضاوي ( 2/623 )

  59. أحكام القرآن للجصاص ( 3/126 ) وتفسير الطبري ، ط. دار الفكر (10/114)

  60. صحيح مسلم ، كتاب المساقاة ( 3/192 ) والنسائي ( 7/275 )

  61. مسند الإمام أحمد ( 1/198 ) وقد احتج ابن كثير في تفسير ( 3/414 ) بهذا الحديث على شمول " الغارمين " للأنواع الثلاثة .

  62. الأموال . ص ( 610 )

  63. فقه الزكاة ( 2/623 - 624 ) (1) حاشية ابن عابدين ( 22/61 ) والفتاوي الهندية (1/188)

  64. الحديث ورد بعدة ألفاظ ، رواه البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن ابن عباس ، قال : أن النبي بعث معاذا إلى اليمن فقال : " ادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله وأني رسول الله .. " وفيه " فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائه وترد على فقرائهم " . يراجع : صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الزكاة ( 3/211 ، 360 ) ومسلم ( 1/50 ) وسنن الترمذي - مع التحفة ( 3/259 ، 311 )  والنسائي (5/3 ) وابن ماجه ( 1/568 ) وأحمد ( 5/369 )

  65. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 1/497 ) وشرح الخرشي ( 2/218 ) ، وتبين المسالك ، د. دار الغرب الإسلامي ( 1/119)

  66. نفس المصادر السابقة .

  67. التفريع ، تحقيق د. حسين الدهماني ، ط. دار الغرب ( 1/298 )

  68. المجموع ( 6/206 - 207 ) والروضة ( 2/317 )

    المصادر السابقة ، ويراجع المجموع ( 208 )

  69. شرح الخرشي على المختصر مع حاشية العدوي ( 2/218 ) ، ومثله قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ( 1/496 ) : فتعطى للوالد لأجل قضاء دين ولده على المعتمد "

  70. شرح الخرشي على المختصر مع حاشية العدوي ( 2/218 ) ، ومثله قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكير ( 1/496 ) : " فتعطى للوالد لأجل قضاء دين ولده على المعتمد "

  71. حاشية الروض المربع ( 3/319 )

  72. المصادر السابقة جميعها

  73. المجموع ( 6/206 - 207 )

  74. روضة الطالبين ( 2/319 ) وتحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني والعبادي عليها ، ط. صادر ط. صادر ( 7/159 )

  75. المجموع ( 6/206 ) والروضة ( 2/218 ) وتحفة المحتاج ( 7/159 )

  76. المبدع ( 2/421 ) والروض المربع ( 3/319 ) والعدة ( ص143 ) والكافي (1/335 )

  77. المحلي ( 6/214 - 215 )

  78. تفسير الطبري ( 10/114 ) وغيره

  79. المجموع ( 6/206 - 207 ) والروضة ( 2/218 )

  80. المبدع ( 2/421 ) ، ومطالب أولي النهي ( 2/143 )

  81.  حاشية ابن عابدين ( 2/61 ) والفتاوي الهندية ( 1/188 )

  82. شرح الخرشي ( 2/218 ) والدسوقي على الشرح الكبير ( 1/496 )

    المصادر السابقة للحنفية والمالكية

  83. سبق تخريجه

  84. سبق تخريجه

  85. شرح السيوطي على سنن النسائي ، ط. دار البشائر الإسلامية ببيروت ، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب بعناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ( 5/89 )

  86. حاشية السندي على سنن النسائي ( 5/89 ) وراجع : السراج الوهاج شرح صحيح مسلم ، ط. الشئون الدينية بقطر ( 3/644 ) ، ونيل الأوطار ( 5/221 ) وسبل السلام (2/634 )

  87. سبق تخريجه

  88. أحكام القرآن للجصاص ( 3/126 )

  89. الحديث رواه الحاكم في مستدركه ، وقال : هذا حديث على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي ( 1/407 ) والترمذي - مع شرح تحفة الأحوذي - كتاب الزكاة ( 3/316 ) ابن ماجه ، الزكاة ( 1/589 ) وأبو داود - مع شرح عون المعبود - الزكاة (5/42 ) وراجع : مجمع الزوائد ( 3/92 ) وقال : رجاله رجال الصحيح. وراجع : نصب الراية 2/399 - 401 ) حيث خرج طرفه بالتفصيل

  90. أحكام القرآن للجصاص ( 3/126 )
  91. سورة الأنفال الآية 1
  92. شرح زاد المستقنع ( 3/317 )

اعلى الصفحة

 

احصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم1225
mod_vvisit_counterالامس1894
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع9274
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي 16172
mod_vvisit_counter هذا الشهر45558
mod_vvisit_counter الشهر الماضي65146
mod_vvisit_counterالكل1557932

الخطب

خطب 2010
خطب 2011
خطب 2010
خطب 2009
خطب 2008
خطب 2007

تحميل ملفات